
















اهلا ما بين عامي (1479 - 1425 قبل الميلاد) وقعت ملحمة مصرية عسكرية، ومكيدة استراتيچية عظيمة سبقت قصة حصان طروادة الشهيرة بأكثر من اثنين إلى ثلاثة قرون تقريباً، الّا أنَّها لم تنال شهرة واسعة مثلها، وهي قصة سقوط مدينة يافا في قبضة قوات الجيش المصري في عهد الإمبراطور من خبر رع (تحتمس الثالث).
في عهد الملك (من خبر رع - تحتمس الثالث)، كان هناك چنرال عظيم في الجيش المصري يُدعىَ (جحوتي)، لم يكن له مثيل في شجاعته في بر مصر، وشهرته كانت تسبقه في كل البلاد المجاورة لمصر، وكان يتبع الملك تحتمس الثالث في كل حملاته العسكرية التي قادها شمالاً وجنوباً، وقائد الجيوش المصرية في البلاد الأجنبية خلفاً لجلالة الملك تحتمس، وكان دائماً في مُقدّمة قوات المشاة وعلى رأسهم، وخبيراً بكل الخطط والاستراتيجيات العسكرية التي استخدمت في الحروب.
وفي يوم وفد إلى قصر الملك تحتمس الثالث مرسال من بلاد خارو (جنوب سوريا) يحمل رسالة من حاكم البلاد الشمالية (الشام) لكي يُخبر الملك المصري بأنَّ أمير مدينة جوبا/يوبا (يافا بفلسطين) قام بالثورة والعصيان ضد جلالته، وقام بقتل جنود المشاة، وجنود سلاح المركبات التابعين لجلالة الملك المصري، وبذلك فقد أعلن الحرب على مصر.
جمع جلالة الملك تحمس الثالث نبلاءه، وقادة الجيش المصري، وكهنة غري چب (الكهنة المرتلين - حَمَلة الكُتب المُقدّسة)، وأطلعهم على الرسالة التي تلقّاها من مندوبه في البلاد الشمالية (بلاد الشام)، وقال جلالته لهم في غضب: «أقسم بجلالة وجه رَع وبقدرته، وبالحُب الذي يغمرني به أبي آمون، وأقسم بحياتي لأدمّرن حصون حاكم يافا الوضيع، ستطوله ذراعي أينما كان، وسأُلقّنه درساً لن ينساه».
لم ينطق أحداً من المجلس بكلمة واحدة، والتزموا الصمت، وبعد لحظات من الهدوء تحدَّث الچنرال جحوتي قائلاً: «يا من تُبجّلك الأرض كلها، وتنحني أمام هيبتك، لقد أثارت كلماتك همّتي، وأشعلت حماسي، ها هي خطّتي، وأرجو أن تنال موافقتك؛ ارسلني إلى يافا، وأرسل معي عصاك قاهرة الأعداء، وأرسل معي كتيبة من المشاة، ومن سلاح المركبات من خيرة جنود مصر، وسوف أدمر حصون أمير يافا، وأحضره لك أسيراً».
وافق الملك تحتمس الثالث على خطة وكلمات الچنرال جحوتي، وأعطاه ما طلبه، وقبل أن يتحرَّك إلى يافا، أمر جحوتي بتجهيز كيس كبير من الجلد بحجم إنسان، وأغلالاً من البرونز للأيادي والأقدام، ومئات من الأغلال الخشبية التي توضع حول رقاب وأيادي الأسرىَ (الكلبشات)، ولفائف من الحبال المُخصَّصة لتقييد الأسرى، كما أمر بتجهيز 200 سلّة من الحجم الكبير، وشِباك من الحبال، وعصىَ خشبية، فكانت تلك هي أسلحة جحوتي البسيطة التي أعدّها لتأديب أعداء مصر.
بدأ القائد جحوتي وقواته السير إلى بلاد خارو، وبعد أيام وصل إلى حدود مدينة يافا، وعند وصوله، شيَّد مُعسكره خارج أسوارها، وبعث مندوبه إلى حاكم يافا بهذه الرسالة: «أنا جحوتي قائد قوات المشاة في أرض مصر، وقد تبعت جلالة الملك تحتمس الثالث في كل حملاته العسكرية شمالاً وجنوباً ولكن تخيَّل، فلقد أصبح الملك يغار مني لأني بطل مغوار، والآن يُريد أن يتخلَّص مني بعد أن خدمته لسنوات طويلة، ولحسن الحظ أنّي تمكّنت من الهروب في الوقت المناسب، وجلبت معي عصاه قاهرة الأعداء، فإذا أردّت الحصول عليها سأعطيها لك، وسأكون من أتباعك، أنا وكُل أفراد الكتيبة التي هربت معی، وهم من أفضل عناصر الجيش المصري، ومن أشجع الجنود، سأقوم بتسليم نفسي أنا وزوجتي وأولادي، وسنُصبح من سُكّان مدينتك، ولكني سأُسلّم نفسي لك أنت شخصياً، وليس لجنودك، فدعنا نلتقي خارج أسوار مدينتك، هنا في خيمتي».
ابتسم حاكم يافا بسعادة غامرة عند سماعه هذه الكلمات، لأنّه يعلم أن جحوتي بطل مغوار لا مثيل له في شجاعته ومهارته في كل البلاد؛ فأرسل حاكم يافا مرسالاً إلى جحوتي في خيمته بمعسكره يقول فيها: «إنضم لأتباعی وسأكون لك كالأخ، وسأمنحك قطعة من الأرض من أفضل الأراضي في يافا لتكون ملكاً لك»، ثم خرج حاكم يافا بصحبة قائد مركباته، وحرسه الخاص من مدينته، وتوجَّه إلى خيمة جحوتي، وصافحه وجلس معه ليفاوضه على شروط الاستسلام، ولم يكن في الخيمة شخص آخر بخلاف جحوتي وأمير يافا.
أرسل أمير يافا حرسه الخاص لإحضار طعام وشراب، وجلس مع جحوتي في خيمته لتبادل الحديث، وبينما كان جحوتي يجلس في خيمة القيادة مع حاكم يافا، كان جنوده يتسامرون مع الحرس الخاص بأمير يافا خارج أسوار المدينة، ويشاركونهم الشراب، وتبادل أمير يافا الحديث مع جحوتي، وكان الفضول يقتله للحصول على عصا الملك تحتمس الثالث، فبدأ الحديث مع جحوتى قائلاً: «حدّثني عن عصا الملك من خبر رع (تحتمس الثالث)، كيف هي؟، وما شكلها؟» ..
قال له جحوتي: «ستراها في الوقت المناسب، بمجرد أن يخرجها جنودی من مكمنها، فأرجو أن تسمح بجلب الخيول لإطعامها بينما نجلس معاً ونتناول الطعام والشراب، لأن العصا مخبأة في سلال العلف، وعند إطعام الخيول سيجدها جنودی، وسيأتي أحدهم على الفور الإخباري بأمرها، ولقد جلبت معي المئات والمئات من السلال، بعضها لعلف الخيول، والبعض الآخر للهدايا التي سأُقدّمها لك إذا وافقت على دخولي مدينتك لاجئاً، وكل هذه السلال موجودة في خيمة المؤن خلف معسكرنا، وأخشى أن يأتي أحد العابيرو - رُبّما العبرانيون - ويسرقها أثناء انشغال جنودي بإطعام الخيل، فأرجو أن تصدر الأوامر لحرسك الخاص بتجهيز مكان داخل أسوار المدينة لسلال الهدايا التي سيحملها جنودي من أجلك، فعلينا بالإسراع بنقل سلال الهدايا حتى لا تتعرض للسرقة».
نادى أمير يافا على قائد حرسه الخاص، وأخبره بأمر سلال الهدايا التي سيحملها جنود جحوتي إلى داخل المدينة، وأمره بالإشراف بنفسه على موكب نقل الهدايا، ودخولهم المدينة، ونادى أيضاً جحوتي على جنود فرقة المركبات وأمرهم بإخراج سلال العلف لإطعام الخيول، وكانت تلك إشارة للقوة التي ستقتحم المدينة بتجهيز سلال الهدايا التي يختبيء فيها الجنود المقاتلون.
وضع جنود فرقة المركبات سلال العلف أمام خيولهم، وبدأت الخيول في تناول طعامها، إلى أن ظهرت العصا، فأتىَ أحد الجنود إلى خيمة جحوتي وأخبره بالعثور على عصا الملك تحتمس الثالث، وحين سمع أمير يافا بظهور العصا، قفز قلبه من الفرحة وقال: «إنّي أرغب في رؤية تلك العصا أكثر من أي شيء آخر، استحلفك بـ كا (حياة) جلالة الملك من خبر رع (تحتمس الثالث) أن تكون تلك العصا في يدي اليوم، فاذهب واحضرها على الفور، فأنا لا أستطيع الإنتظار».
فعل جحوتي كما قال أمير يافا، وذهب إلى مربط الخيول، وأخذ العصا من السلّة التي كانت مخبأة فيها، وأخفاها في ملابسه، ثم ذهب إلى خيمة المؤن حيث وضعت سلال الهدايا، وأعطى لقواته إشارة البدء بتنفيذ خطة الاقتحام، وكانت السلال جاهزة حسب الخطة؛ حيث وضع جحوتي 200 جندي من قوات النخبة داخل السلال، وضع معهم صنادلهم، ولفائف من الحبال، والكلبشات الخشبية التي تُستخدم في تقييد الأسرىَ، ثم قام بغلق السلال وتجهيزها لكي يحملها الجنود، وهنا أتى 300 من الجنود الأقوياء ليحملوا السلال، وقال لهم جحوتي: «بمُجرَّد الدخول من أسوار المدينة قوموا بفتح السلال وأخرجوا رفاقكم وابدأوا فوراً جميعكم (أي الـ 500 جندي) بالهجوم على جنود الحراسة، وضعوا الأغلال الخشبية في رقابهم، وحول أياديهم، وقيّدوهم بالحبال، وعليكم بتنفيذ ذلك في لمح البصر قبل أن ينتبهوا أو يدركوا ما الذي يحدث».
عاد جحوتي إلى خيمة القيادة، وعند دخوله أخرج العصا من ملابسه، وأمسك حاكم يافا من عنقه وقال له: «أنظر أيّها الهالك حاكم يافا، ها هي العصا العظيمة قاهرة الأعداء، عصا الملك من خبر رع (تحتمس الثالث)، الأسد المُهيب، ابن سخمت، الذي ورث قوة أبيه آمون»، ثم رفع يده وضرب أمير يافا بالعصا على رأسه ضربة أفقدته الوعي فسقط مغشياً عليه، وانقض جحوتي على أمير يافا كما ينقض الصقر على فريسته، وقیَّد ذراعيه وقدميه، ثم وضع أغلالاً من البرونز تزن أربعة أرطال حول قدميه، وقام بوضعه داخل كيس من الجلد كان مُعدًاً لذلك قبل تحرك الكتيبة المصرية إلى المعركة.
أرسل جحوتی جندياً مصرياً إلى قائد الحرس الخاص بأمير يافا قائلاً له: «إن سيّدك أصابه الدوار من تأثير الشراب، وأنا هنا لأبلغك رسالة منه، فاذهب وأخبر سيدتك (زوجة أمير يافا) داخل المدينة أن تبتهج، فقد رضى عنّا (سوتخ)، وجلب إلينا القائد جحوتی مُستسلماً، ومعه زوجته وأولاده و جنوده، لقد أتي مُعلناً ولاءه لنا وجلب معه 200 من السلال المملؤة بهدايا وخیرات مصر».
أشار رسول جحوتي إلى السلال التي بدت في أعين الجميع كسلال الهدايا، ولم يتخيّل أحد أن هناك 200 من الجنود يختبئون بداخلها، وأمر قائد الحرس الخاص بأمير يافا بفتح البوابة، ودخل يتبعه حملة السلال من أنفار كتيبة جحوتي، ودخل قائد الحرس الخاص بأمير يافا في مُقدّمة الموكب لكي يبشر مولاته زوجة الأمير ليُخبرها بأنهم أسروا القائد جحوتي وانتصروا عليه، وأتاهم مُستسلماً هو وجنوده، ومن ثم فُتِحَت بوَّابة المدينة ليدخلها حملة السلال، وأثناء دخول حملة السلال كانت أعينهم ترصد مواقع الحراس وأعدادهم، وعند دخولهم، فتح جنود جحوتي السلال، وخرجت منها القوات المقاتلة المصرية، وفي لمح البصر قاموا بالانتشار حسب الخطة، وهجموا على حُرّاس مدينة يافا وقيّدوهم بالحبال، ووضعوا أغلال الأسر في أياديهم وأعناقهم، وسيطروا على كل أركان المدينة.
وهكذا استولت قوة الملك تحتمس الثالث على المدينة، وطالت ذراعه حاكم يافا دون أن يُغادر طيبة (الأقصر)، لأن جنود وقادة جلالته هم ذراعه التي تُطيح بأعداءه أينما كانوا، وفي مساء اليوم بعد أن سيطر جحوتي على يافا أرسل إلى جلالة الملك من خبر رع رسالة يقول فيها: «ابتهج يا مولاي، فقد أخضع آمون لك حاكم يافا، وكُل سُكّان مدينته، فأرسل لي المزيد من القوات لاقتياد الأسرى، لكي تملأ مزارع أبيك آمون، بالخدم الذين سيقبعون تحت أقدامك إلى الأبد».
هكذا انتهت القصة العظيمة بسقوط يافا بأقل الإمكانيات، فقط بالاستراتيجة والعقلية العسكرية التي امتلكها جحوتي، وظل جحوتي لسنوات عديدة أسطورة وبطل مغوار عند شعب مصر حتى بعد وفاته، واكتشف مقبرة جحوتي تاجر الآثار الإيطالي (برناردينو دروفيتتي) عام 1824م، وهناك العديد من آثار جحوتي المنتشرة في بعض متاحف العالم، من بينهم وعاء ذهبي محفوظ بمتحف اللوفر أهداه له الملك تحتمس الثالث منقوشاً عليه بعض الألقاب والكلمات العظيمة في حقه، فيصف الملك تحتمس الثالث الچنرال جحوتي بأنه «الچنرال المُفضّل للإله».
- تفاصيل هذه القصة بالكامل وصلت إلينا من خلال «بردية هاريس 500»، المحفوظة حالياً في المتحف البريطاني تحت رقم EA 10060 - والتي دوّنت بالخط الهيراطيقي، وشرع في شرحها وتوضيحها عالم الآثار فلندرز بيتري.
VIA Post: Nasser Saad