
















اهلا هواجس في ذكرى تهجيرنا
هي الذّكرى اللئيمة الأليمة المثيرة للحزن والغضب، ذكرى السابع من نوڤمبر، ذكرى اقتلاعنا بحيلة شيطانيّة انطلت على الفلّاحين البسطاء الطّيّبين الذين لم يعرفوا الخبث الذي عرفه الآخرون ولا اللؤم الذي سكن الآخرين وعشّش في شرايينهم، صدّق هؤلاء الطّيّبون أنّ عودتهم ستأتي بعد خمسة عشر نهارًا كما قيل لهم، لم يخطر ببال أحد منهم أن الكذب ملح البزّة العسكريّة، وأنّ النّيّة الطّيّبة التي يتحلّون بها يفتقدها هؤلاء الذين وراء عيونهم حقد ووراء ألسنتهم سُمّ.
كان لي من العمر آنذاك خمسَةَ أشهر، لا أعرف من الدّنيا غير حضن أمّي، حيث انتُزٓعنا من أرضنا التي رواها أهلنا بالعرق والدّم.
رضعتُ عشقَها وانتمائي لترابها وهوائها مع حليب أمّي، وزرع فيّ والدي أن لا مكان في الأرض يوازيها، ليس كهوائها هواء وليس كعطر أرضها عطر.
ذقتُ مرارة الغربة وعشتها أيّامًا وسنينًا وعقودًا، وكلّما زاد علقمها زاد عشقي لتراب بلدي، زاد اشتياقي لمائها وهوائها، لحجارتها وركام بيوتها، لكنيستها التي قامت كما المسيح من بين الأموات، وضمّت أبناءها بعد سنوات طويلة كانت فيها حزينة كحزن مريم على ابنها، علّها تفرح كفرحها إذ يعود الغائب كما قام المصلوب.
هي العشق الأبديّ الذي لا يوازيه عشق، والحنين الذي لا يشبهه حنين، والشّوق الذي ليس كأي شوق.
كما ينتظر المؤمن جنّته ويسعى إليها ، هكذا ننتظر جنّتنا ونسعى إليها، إنّ جنّتنا على مرأى من عيوننا، وسياج الغاصب لئيم وعيناه حمراء بدم الحقد.
إن كنّا نعود اليوم بعد موتنا فإنّنا
سنعود أحياء لأن جذورنا حيّة هناك، ومن في جذوره بعض الحياة ستبقى أغصانه غضّةً مثمرةً.
لا بدّ أن تضمّ تلّتنا أولادها كما تضمّ الدّجاجة صيصانها تحت جناحيها.
....... فوزي ناصر حنا - إقرث....