
















اهلا موازين القوى في إسرائيل بعد الانتخابات: الانفصال بين السلطتين التشريعية والتنفيذية
بقلم:د. علاء أبوعامر
يشكل النظام السياسي في الكيان الصهيوني معماراً دستورياً معقداً تتقاطع فيه الآليات البرلمانية مع حسابات تشكيل الحكومات. وفي هذا السياق، يقدم الخبير في القانون الدستوري، الدكتور متان غوتمان، إضاءة تحليلية هامة تهدف إلى تفكيك الارتباك الشائع بين نتائج الانتخابات العامة، وأداء اليمين الدستورية في الكنيست، ومسار تشكيل الحكومة الجديدة. يوضح هذا التحليل أن الخريطة السياسية في الكيان الإبادي العنصري تشهد تحولات عميقة تتجاوز مجرد تغيير الأسماء في مكتب رئيس الوزراء لتطويق السلطة التشريعية برمتها.
يبدأ المشهد السياسي في الكيان بالتغيرات الرقمية والديموغرافية الواضحة في نتائج الانتخابات، حيث فقد الائتلاف الحاكم الحالي 14 مقعداً لتتراجع كتلته من 68 مقعداً إلى 54 مقعداً فقط، مما يعني فقدان الأغلبية البرلمانية بصورة واضحة. وفي المقابل، قفزت كتلة المعارضة، شاملة الأحزاب العربية، لتصل إلى أغلبية صلبة تبلغ 67 مقعداً. وهنا يكمن المفصل الدستوري الأهم الذي يشير إليه غوتمان؛ وهو أن الكنيست لا يعتمد في عمله وصلاحياته على تشكيل الحكومة، بل يؤدي أعضاؤه اليمين الدستورية خلال نحو أسبوعين من الانتخابات ليبدأ البرلمان مهامه التشريعية فوراً بغض النظر عن حالة الجمود الحكومي.
هذا الاستقلال البرلماني يمنح المعارضة، وبأغلبية 67 نائباً، قدرة فورية على تغيير قواعد اللعبة دون الحاجة لانتظار ولادة حكومة جديدة. ويشمل ذلك إمكانية استبدال رئيس الكنيست، وإلغاء قوانين الإصلاح القضائي المثيرة للجدل، وإقرار تعديلات على القوانين الأساسية، وسن قانون جديد للتجنيد العسكري، وصولاً إلى الدفع بتشريع خاص لإنشاء لجنة تحقيق رسمية في أحداث السابع من أكتوبر. وبهذا، تفقد الحكومة المنتهية ولايتها السيطرة على السلطة التشريعية كلياً بمجرد انعقاد الكنيست الجديد.
أما مسار تشكيل الحكومة فيسير في خط موازٍ ومنفصل تماماً، ويبدأ بمشاورات يجريها رئيس الدولة مع الكتل البرلمانية لتكليف النائب الأرجح نجاحاً بناءً على عدد التوصيات لا على حجم الحزب الأكبر. وبناءً على السيناريوهات الحالية وتوزيع التوصيات المحتمل، قد يذهب التكليف إلى شخصية مثل غادي إيزنكوت لمدة 28 يوماً قابلة التمديد. وخلال هذه الفترة، يمتلك المكلف خيارات سياسية واسعة تشمل مفاوضات مع حزب الليكود أو هندسة حكومة تعتمد على الأغلبية البسيطة في تصويت الثقة ودون اشتراط توافق إجمالي أو الحصول على دعم صريح من واحد وستين نائباً، إذ يكفي امتناع بعض النواب عن التصويت لتمرير الحكومة وسحب البساط من تحت أقدام رئيس الوزراء المنتهية ولايته.
إن قراءة المشهد الصهيوني عبر عدسة القانون الدستوري تكشف عن تحول جوهر الصراع من مجرد معركة على كرسي رئاسة الوزراء إلى معركة سيطرة على مفاصل التشريع والرقابة. إن فقدان الأغلبية في الكنيست يعني أن الائتلاف الحاكم قد خسر أدوات الهيمنة البرلمانية حتى قبل أن تتشكل الحكومة البديلة، مما يؤسس لمرحلة جديدة تتسم بتقويض سياسات الماضي وفرض وقائع دستورية وتشريعية بقوة الأغلبية البرلمانية الجديدة.