
















اهلا الافراط بالتأكيد اعتراف بالشكوك
تستوقفك في شوارع الضفة الغربية المحتلة ظاهرة تتجاوز مجرد الحضور العسكري أو الاستيطاني المباشر: كثافة الأعلام الإسرائيلية المغروسة على جانبي الطرق، وعلى كل تلة ومنعطف، وفوق الجسور والمباني، دون وجود مناسبة وطنية أو احتفال يبرر هذا الاستعراض الكثيف. علم يليه علم، في سياسة إغراق بصري تم تصميمها بعناية لتملأ الفضاء العام وتغطي المشهد كاملاً.
من الناحية السياسية والقانونية، لا يغير هذا المشهد المفتعل من طبيعة الأرض شيئاً. فالضفة الغربية أرض فلسطينية محتلة وفق كافة المعايير والقرارات الدولية الصريحة، ولا تملك قوة الاحتلال أي سيادة عليها مهما أفرطت في زرع الرموز وتغيير المعالم. لكن هذا السلوك الرمزي اليومي يطرح سؤالاً فكرياً أعمق يتجاوز حدود الترهيب أو محاولة إخضاع العين الفلسطينية: لمن يرفعون هذا الكم الهائل من الأعلام في الحقيقة؟
إن السعي المتواصل لإعادة تعريف المكان بصرياً، ثم إسناد ذلك بتشريعات صريحة ومتصلبة مثل "قانون القومية" الصادر عام 2018، يفصح عن ديناميكية ذاتية مركبة داخل الفكر الصهيوني. في علوم النفس الاجتماعي وسياسات الهوية، لا يلجأ الفرد ولا المؤسسة إلى التكرار المفرط للبداهات إلا عندما تفقد هذه البداهات تلقائيتها وتصبح موضع شك مستمر داخل الوعي. إن الوطن المستقر والمحسوم في وجدان أهله يتنفسه المواطن كخلفية طبيعية لحياته اليومية، ولا يحتاج إلى غرس راية فوق كل صخرة ليقنع نفسه بأنه في دياره.
هنا تحديداً تتشكل المفارقة النفسية والسياسية الكبرى: هذا الضغط الرمزي المكثف موجّه في جوهره إلى الداخل الإسرائيلي أكثر مما هو موجه للخارج. إنه عملية إنتاج يومية وقسرية لشعور بالانتماء، ومحاولة دائمة لردم الفجوة العميقة بين الوجود المادي المعتمد حصراً على القوة العسكرية، وبين الشرعية الأخلاقية والتاريخية المفقودة التي يريدون فرضها بالنص والرمز. يرفع العلم بهذا الهاجس لا ليثبت للفلسطيني أنه صاحب الأرض الأصلي، بل ليمنح المستوطن أو الجندي الجالس خلف زجاج سيارته جرعة طمأنينة متجددة، تقيه تسلل الشعور الفطري بأنه مغتصب يمر في أرض غريبة.
كلما ازداد الحشد الرمزي والقانوني ليصرخ "هذه الأرض لنا"، تعرت الحقيقة المنطقية المعاكسة التي تحاول المؤسسة إخفاءها. لو كانت هذه البلاد بقعة طبيعية ومسلماً بها في الوعي الجمعي الإسرائيلي، لما احتاجت السلطة القائمة بالاحتلال إلى هذا الاستنفار البصري والتشريعي اليومي لإثبات البديهيات. إن الأعلام الممتدة على أطراف الشوارع لا تعلن اكتمال السيطرة أو الطمأنينة، بل تكشف عن حجم الجهد الخرافي المبذول لطرد القلق الوجودي المستمر من بطلان المشروعية.
وفي نهاية المطاف، لا يستطيع العلم المغروس بالقوة أن يحتل الذاكرة أو يغير جوهر التاريخ. فبين السيطرة المادية على الجغرافيا وبين امتلاك الحق الإنساني فيها مسافة لا ترممها كل رايات العالم. والأرض المحتلة تبقى أرضاً محتلة، حتى لو زرع الاحتلال على جانبي كل طريق فيها ألف علم وعلم.