
















اهلا يطرق التابلت باب البيت.
يدخل الباحث، يفتح الشاشة، ويسأل عن الأسرة.
معظم الباحثين معلمو مدارس، بحسب مدير دائرة الإحصاءات العامة.
نحو اثني عشر ألف باحث وباحثة، ستون في المئة منهم باحثات، ينتشرون في نحو أربعة وعشرين ألف بلوك إحصائي، من أول تشرين الأول حتى نهايته.
وعلى صدر الباحث بطاقة عليها رمز إلكتروني، يتحقق منه صاحب البيت قبل أن يفتح.
تخيل أما تفتح فتجد معلم ابنها.
تعرف وجهه، وتجهل الجهاز الذي في يده!
جاء بعض تلك الأجهزة من العراق.
هدية من وزارة التخطيط العراقية. فقد أعلنت الوزارة في حزيران 2025 أن الأردن طلب استعارة الأجهزة، وأن حكومتها قررت إهداءها بدل إعارتها.
اثنا عشر ألف جهاز.
استخدمت في تعداد أحصى قبل عامين أكثر من 46 مليون عراقي.
وصلت إلى عمان قبل أكثر من عام، وأعلن عن وصولها في حينه.
قال النائب العراقي رائد المالكي إن بياناتها يمكن استرجاعها ببرامج الاستعادة.
وردت وزارة التخطيط بأنها خالية من البيانات ومفرغة تماما.
وقالت الوزارة لاحقا إن الأجهزة كانت تحمل شرائح ذاكرة واتصال خزنت بيانات ميدانية، لكنها مشفرة ومرتبطة بخوادم مركزية. وفي نيسان 2026 قالت إن وحدات الذاكرة نزعت وأعيدت تهيئتها عدة مرات.
ثم قالت إن المهداة خمسة في المئة مما استعمل في التعداد.
وبعد أيام قالت إنها اثنا عشر ألفا من 135 ألفا.
حساب بسيط يحتاج إلى ورقة تشرحه.
واليوم، والعد الميداني جار، انتقل الجدل إلى عمان.
يزور الباحثون كل بيت في المملكة، أكثر من مليون مبنى.
قال المركز الوطني للأمن السيبراني، ردا على استفسار من وكالة بترا يوم الاثنين الخامس من تشرين الأول، إن الأجهزة خضعت لفحوص فنية ولإعادة ضبط المصنع.
وذكر أن لجانا رسمية استلمتها، وأن فحصها شارك فيه الأمن السيبراني ووزارة الاقتصاد الرقمي والريادة ودائرة الجمارك وهيئة تنظيم قطاع الاتصالات، كل ضمن اختصاصه.
وقال إن الحديث عن مخاطر سيبرانية لا يستند إلى دليل فني.
وللمركز حجة وجيهة.
تبادل أجهزة جمع البيانات بين الدوائر الإحصائية ممارسة معروفة في التعدادات الدولية، بحسب المركز نفسه.
وكل من اشترى هاتفا مستعملا يعرف الشعور.
مسحه البائع وأقسم. وبقي في رأسه سؤال صغير.
في الجهاز ماض عراقي وحاضر أردني.
الماضي يخص العراقيين. قالت وزارتهم إنه محي.
والحاضر يخصنا: ما تقوله الأسرة عند الباب عن أفرادها وصحتها وعملها.
ومسح المحتوى يجيب عن سؤال البيانات القديمة.
ويبقى سؤال أهم.
كيف عرف الفاحصون أن التابلت يخلو من برمجية تنشط مع أول بيانات أردنية؟!
المعهد الوطني الأمريكي للمعايير والتقنية يعرف تطهير الوسائط بأنه عملية تجعل الوصول إلى البيانات المستهدفة غير ممكن عمليا.
ويشدد على الضوابط والتحقق من فاعلية التطهير.
وفي أدلة التطهير تصنف إعادة ضبط المصنع عادة ضمن المسح المنطقي، وهو أقل مرتبة من تطهير يصمد أمام استعادة مخبرية.
وعبارة إعادة ضبط المصنع أضيق من هذا السؤال.
الذاكرة لا تنزع بنزع الشريحة، والسؤال لا يغلق بإعادة الضبط.
قد تكون الإجراءات كاملة وصحيحة. وقد تكون جزءا منها.
والقارئ، والدولة، والأجهزة التي ستحمل بيانات الأردنيين، تحتاج إلى شيء أكثر تحديدا.
ما الذي فحص؟ من فحص؟ وبأي معيار؟ وهل توجد سجلات فنية تثبت النتيجة؟
المطلوب أن تصبح ثقة الدولة قابلة للفحص.
ولا يوجد في المصادر المنشورة ما يثبت ادعاءات الاختراق أو البرمجيات الخبيثة.
وهذا مهم.
لكن غياب الدليل على الخطر لا يعفي من إثبات سلامة الجهاز.
فينتقل السؤال من «هل هذه الأجهزة تتجسس؟» إلى سؤال أدق: هل تستطيع الدولة أن تقدم سلسلة واضحة من لحظة خروج الجهاز من التعداد العراقي إلى لحظة دخوله التعداد الأردني؟
استلام. فحص. مسح. تحقق. ثم تشغيل.
كل حلقة تترك أثرا.
والأثر الذي يهمنا هو ما يمكن إثباته خلف الشاشة.
ونحو خمس السكان أبدوا استعدادهم للعد الذاتي عبر رابط إلكتروني، بحسب مدير الدائرة حيدر الفريحات.
يجيب هؤلاء على جهاز يعرفون صاحبه.
ويجيب الباقون على جهاز يعرفون وجه حامله فقط.
ويضمن قانون الإحصاءات العامة رقم 8 لسنة 2025 سرية البيانات وحماية الخصوصية.
السرية وعد، والجهاز واقعة!
والباحث المعلم بريء من السؤال كله.
انشروا ما يمكن نشره من الإجراءات الفنية.
أسرار الدولة وتفاصيل الأمن تبقى لأصحابها.
يكفي ما يغلق باب الشك المهني: نوع الفحص. معيار المسح. جهة التحقق. ونتيجة الاختبار.
صفحة واحدة تكفي.
وتكفي معها نتيجة فحص عينة منها، تعلن أمام الصحافة بمعيار مكتوب.
وقد دعا المركز نفسه إلى تحري الدقة وعدم بناء استنتاجات أمنية على افتراضات غير مثبتة. والدعوة وجيهة. وتكتمل حين ينشر ما يجعل الاستنتاج المضاد غير ممكن.
والتعداد يعيش على صدق الإجابات.
والصدق يحتاج إلى ثقة. والثقة تحتاج إلى أكثر من النفي!
البيانات الأردنية التي ستدخل تلك الأجهزة أسماء وبيوت وأعمار وعائلات.
وكل جهاز منها سيكون، ولو لساعات، ذاكرة متحركة لجزء من الدولة.
وقول إن الذاكرة مسحت لا يكفي.
يحمل الباحث الصفحة في جيبه، فيجيب عن سؤال الأسرة بورقة.
للباحث بطاقة يقرؤها صاحب البيت.
فأين بطاقة الجهاز؟!
emadawoud@yahoo.com
https://emad-dawoud.netlify.app/