X أغلق
X أغلق
الطقس
° - °
ترشيحا
° - °
معليا
° - °
بئر السبع
° - °
رام الله
° - °
عكا
° - °
يافا
° - °
القدس
° - °
حيفا
° - °
الناصرة
اسعار العملات
دولار امريكي
3.445
جنيه استرليني
4.1949
ين ياباني 100
2.5079
اليورو
3.6240
دولار استرالي
2.3021
دولار كندي
2.5184
كرون دينيماركي
0.4872
كرون نرويجي
0.3437
راوند افريقي
0.1994
كرون سويدي
0.3316
فرنك سويسري
3.6639
دينار اردني
4.8531
ليرة لبناني 10
0.0228
جنيه مصري
0.1398
اعلانات يد ثانية
تصفح مجلدات وكتب
الاستفتاء
مواقع صديقة

دولتان أو دولة واحدة؟ أضواء على نقاش يظل محتدماً

admin - 2026-09-24 18:16:48
facebook_link

اهلا

دولتان أو دولة واحدة؟ أضواء على نقاش يظل محتدماً
المؤلف: د.ماهر الشريف
بينما تتراجع احتمالات قيام دولة فلسطينية مستقلة في حدود سنة 1967 على أرض الواقع، جراء السياسات الإسرائيلية، أظهر استطلاعان للرأي أجراهما مركزان فلسطينيان خلال شهر آب/أغسطس 2026 تزايد نسبة المؤيدين لحل الدولة الفلسطينية المستقلة وتراجع نسبة المؤيدين لحل الدولة الواحدة.
في الاستطلاع الذي أجراه "المركز الفلسطيني للبحوث السياسية والمسحية" في الضفة الغربية وقطاع غزة في الفترة ما بين 5-8 أب/أغسطس الفائت، تبيّن لدى السؤال عن رأي الجمهور في ثلاثة حلول ممكنة للصراع الفلسطيني-الإسرائيلي أن نسبة 56٪ من المستطلعين قالوا إنهم يفضلون حل الدولتين على أساس حدود سنة 1967، فيما قالت نسبة 14٪ منهم إنها تفضل الكونفدرالية بين الدولتين، وقالت نسبة 10٪ إنها تفضل قيام دولة واحدة بمساواة بين الطرفين، بينما قالت نسبة 20٪ إنها لا تعرف أو لم ترغب في الإجابة.
وسجل الاستطلاع الذي أجراه "مركز القدس للإعلام والاتصال"، بالتعاون مع "مؤسسة فريدريش إيبرت"، ونُشرت نتائجه في 8 آب/أغسطس الفائت، ارتفاعاً ملحوظاً في تفضيل "حل الدولتين" مقارنة بالسنوات الأخيرة، إذ ارتفعت نسبة الذين يفضلون حل الدولتين على غيره من الحلول إلى 47.9%، بعد أن كانت 27.3% في أيلول/سبتمبر 2023 و26% في حزيران/ يونيو 2022. وفي المقابل، انخفضت نسبة الذين يفضلون حل الدولة الواحدة ثنائية القومية إلى 21.7%، بعد أن كانت 25.9% في سبتمبر/أيلول 2023 و28.4% في حزيران/ يونيو 2022. كما انخفضت نسبة الذين يفضلون إقامة دولة فلسطينية واحدة في كامل فلسطين إلى 18.6% في الاستطلاع الحالي، بعد أن كانت 24.7% في سبتمبر/أيلول 2023 و22.8% في حزيران/يونيو 2022.
ما زال ممكناً إقامة دولة فلسطينية مستقلة
منذ أعوام عديدة، قدّر الباحث الإسرائيلي شاؤول أريئيلي أن التوصل إلى اتفاق نهائي يفضي إلى اعتراف متبادل بين دولة فلسطينية وإسرائيل يظل أمراً قابلاً للتحقق، ولكن على شرط القيام "بتدخل دولي متزايد في المنطقة، يتمثل في ممارسة ضغوط كبيرة على طرفي الصراع عبر إجراءات عقابية في حال رفضهما تقديم تنازلات جوهرية"، بحيث تفضي التنازلات الجوهرية المتبادلة "إلى تسوية دائمة تقلب الاتجاهات القائمة، وتُرسّخ-عقب اعتمادها-استقراراً يهيئ الأجواء لحوار من نوع آخر بين الطرفين، بل وللمصالحة وبناء تاريخ مشترك". وبعد توافر الإرادة السياسية الحقيقية للتوصل إلى اتفاق سلام، "يظل من الضروري معرفة ما إذا كان فصل الدولة الفلسطينية عن إسرائيل لا يزال ممكناً من الناحية الجغرافية"، وخصوصاً بعد توسع الاستيطان الإسرائيلي في الضفة الغربية لدرجة كبيرة. وبحسب الباحث نفسه، فإن مسألة الحدود بين إسرائيل والدولة الفلسطينية المستقبلية طرحت للنقاش خلال "عملية أنابوليس" التي انطلقت أواخر سنة 2007. ولا تزال هذه النقاشات تشكل، في رأيه، أفضل أساس للتفاوض حول ترسيم الحدود المستقبلية بين الدولتين. وقد "اقترح الفلسطينيون خلال تلك المفاوضات تبادلاً للأراضي يعادل نحو 2% من مساحة الضفة الغربية، في حين اقترح الجانب الإسرائيلي تبادلاً بنسبة تقارب 6%؛ وعليه، يبدو حل الدولتين ممكناً من الناحية الجغرافية، شريطة التوصل إلى تسوية بشأن الأراضي المزمع تبادلها".
ورداً على من يرى أن التداخل بين إسرائيل والأراضي الفلسطينية المحتلة بلغ اليوم حداً يجعل من حل الدولتين أمراً تمّ تجاوزه، أكد شاؤول أريئيلي أن دراسة دقيقة للواقع "تثبت عكس ذلك، إذ يظل الفصل بين الدولتين ممكناً رغم التوسع الاستيطاني...كما أن تداخل الأراضي لا يشكل عقبة يستحيل تذليلها في حالة القدس، التي يمكن تقسيمها لتصبح عاصمة للدولتين؛ وبالتالي، فإن العائق الرئيسي أمام حل الدولتين ليس جغرافياً، بل هو عائق سياسي بامتياز"[1].
في دراسة مطولة نشرها سنة 2019، بعنوان: "هل ثمة بديل معقول لحل الدولتين؟"، رأى طوني كلوغ، المستشار المتخصص في شؤون الشرق الأوسط لدى "مجموعة أكسفورد للأبحاث" أن حل الدولتين لا يزال الخيار الوحيد الممكن، غير أن تحقيقه يتطلب قيادة استراتيجية من جانب نشطاء فلسطينيين وإسرائيليين ملتزمين تماماً بإنهاء الاحتلال والعمل معاً.
يبدأ الباحث دراسته بدحض حجج أنصار الدولة الواحدة الديمقراطية العلمانية، التي "تحظى بدعم متزايد في بعض الأوساط الليبرالية واليسارية في الغرب"، فيذكر أن هذه الرؤية للدولة الواحدة تستند إلى فكرة تبسيطية مفادها أن "الصراع التاريخي بين حركتين وطنيتين يمكن اختزاله في نضال أحادي البعد من أجل الحقوق المدنية"، مع تجاهل "المتطلبات الوطنية" للشعبين، كما أن "حكومة ائتلافية إسرائيلية-فلسطينية حتمية في ظل دولة موحدة-حيث سيكون التوازن الديموغرافي الهش مسألة بالغة الحساسية سياسياً-لن تملك سوى فرص ضئيلة للتوصل إلى اتفاق بشأن "حق العودة" الفلسطيني الكامل، وهو عنصر جوهري في حجة الدولة الواحدة"، ناهيك عن أن هذه الدعوة إلى قيام دولة واحدة تخدم "مصالح اليمين المتطرف الإسرائيلي، إذ تقوّض بشدة الحملة العالمية الرامية إلى إنهاء الاحتلال عبر انسحاب إسرائيل من الضفة الغربية، وفي الوقت نفسه تضفي شرعية على مشاريع الاستيطان والضم". وأخيراً، غالباً ما تستند الدعوات المطالبة بـ "دولة واحدة" إلى "فرضية مفادها أن حل الدولتين قد فشل، غير أن هذا الحل لم يُجَرَّب من الأساس؛ فالمشكلة لا تكمن في الغاية المتمثلة في قيام دولتين، بل في الوسائل المتبعة لتحقيقها، ولا سيما العجز المزمن للقوى العالمية عن ممارسة ضغوط حكيمة تجمع بين الحوافز والعقوبات".
ثم ينتقل الباحث إلى عرض الحجج التي تسوّغ "حل الدولتين"، الذي استغرق أمر تبينه "سنوات عديدة من المعارك الدبلوماسية الشاقة التي تلت حرب سنة 1967، إذ لم يعتمده مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة كسياسة رسمية للمنظمة الدولية إلا في آذار/مارس 2002"، وفي الشهر نفسه، "أطلقت جامعة الدول العربية بالإجماع "مبادرة السلام العربية"، التي نصت على إقامة سلام وعلاقات دبلوماسية كاملة بين إسرائيل وجميع الدول العربية، وذلك استناداً إلى قيام دولة فلسطينية إلى جانب إسرائيل تكون القدس الشرقية عاصمة لها، والتوصل إلى ما أسمته تسوية عادلة ومتفق عليها لقضية اللاجئين الفلسطينيين". ومن جانبها، تبنت منظمة التحرير الفلسطينية رسمياً صيغة "حل الدولتين" سنة 1988 خلال مؤتمرها التاريخي في الجزائر، وذلك "بعد سنوات من النقاشات الداخلية الحادة، وهي خطوة لا ينبغي التقليل من شأنها، ووُصفت أحياناً بأنها "التسوية التاريخية" الكبرى للمنظمة؛ وتتوج هذا كله "باعتراف متبادل فعلي في إطار اتفاقيات أوسلو في التسعينيات؛ وخلال العقود الثلاثة الماضية، أدرك كل من الفلسطينيين والإسرائيليين تدريجياً-وإن كان ذلك على مضض-أن مراعاة الحقوق الوطنية للشعب الآخر أمر جوهري لتحقيق حقوقهم الوطنية الخاصة والحفاظ عليها".
في ضوء كل ما سبق، يخلص الباحث إلى أن صيغة "الدولتين" تظل "الحل" الوحيد الممكن. غير أن الأمر المقلق، في تقديره، هو "أن هذا الحل بات أقل قابلية للتحقق في الوقت الراهن"، إذ تتزايد أعداد المستوطنين الإسرائيليين في الضفة الغربية باستمرار، وأقيمت العديد من هذه المستوطنات في مواقع استراتيجية تتيح لها تطويق السكان الفلسطينيين في الضفة الغربية والهيمنة عليهم. وتقترن هذه السياسة "بتفتيت الأراضي إلى ثلاث أو أربع مناطق منفصلة، ​​فضلاً عن طموحات الضم التي لا يخفيها كبار الساسة الإسرائيليون-بمن فيهم وزراء في الحكومة-مما يجعلها مصممة عمداً لترسيخ السيطرة الإسرائيلية والحيلولة دون قيام دولة فلسطينية". لكن الفلسطينيين ليسوا وحدهم من يعاني جراء هذا الاحتلال الممتد، إذ "يطال تأثيره أيضاً المواطنين الإسرائيليين، متمثلاً في انتشار مشاعر مناهضة لإسرائيل، وحالة من العزلة المتزايدة، وحملات مقاطعة نامية، وتشكيك متزايد في شرعية الدولة ذاتها، واتهامات بممارسة نظام الفصل العنصري (الأبارتهايد)".
فما العمل انطلاقاً من ذلك؟ عن هذا السؤال، يعتبر الباحث أنه "من الناحية المثالية، ينبغي على إسرائيل مراجعة موقفها وتغيير مسارها جذرياً من خلال إعلان نيتها إنهاء الاحتلال بسرعة، وقبول المبادئ العامة لمبادرة السلام العربية، والدخول في مفاوضات حقيقية مع جميع الأطراف بهدف صريح يتمثل في إنهاء الصراع نهائياً"، وإلا "فيمكن للمجتمع الدولي أن يطالب إسرائيل إما بالاعتراف الفوري بدولة فلسطينية، أو بمنح حقوق متساوية لجميع الخاضعين لسلطتها"[2].
بعد أعوام على نشر الدراسة المذكورة أعلاه، وفي ظل حرب الإبادة الإسرائيلية على قطاع غزة وتوسع الاستيطان الإسرائيلي في الضفة الغربية، تزايدت القناعة الدولية بضرورة قيام دولة فلسطينية مستقلة بصفتها "الحل الواقعي" للصراع الفلسطيني-الإسرائيلي، وهو ما أكد عليه المؤتمر الدولي الذي عُقد في مقر الأمم المتحدة في نيويورك، في حزيران/يونيو 2025، برئاسة فرنسا والمملكة العربية السعودية لإحياء ما يُعرف بـ "حل الدولتين" بين إسرائيل وفلسطين. وفي دعوتهما الموجهة للدول الأعضاء في الأمم المتحدة، أكدت الدولتان أن "المؤتمر يهدف إلى الوصول إلى نقطة لا رجعة فيها" على طريق إحياء هذا الحل[3].
في 12 حزيران/يونيو 2026، عقد ممثلو منظمات فلسطينية وإسرائيلية اجتماعاً دولياً في باريس تحت رعاية وزارة الخارجية الفرنسية، التي أكدت تمسكها بـ "حل تفاوضي يقوم على تعايش دولتين، إسرائيل وفلسطين، جنباً إلى جنب في سلام وأمان". وقد صرّح ممثلو هذه المنظمات بأنه "لا تزال نافذة الفرصة متاحة للتوصل إلى حل، لكنها تضيق، وتتطلب هذه المرحلة تحركاً دبلوماسياً عاجلاً بالشراكة مع منظمات المجتمع المدني"، بينما قال الباحث الفرنسي المختص بالشأن الفلسطيني توماس فيسكوفي إن مثل هذه المبادرات تتيح للحكومة الفرنسية "الإيحاء بأنها تتحرك"، من دون مراجعة حقيقية للدعم الذي تقدمه لإسرائيل، وعلّق على الاجتماع قائلاً: "ما زلنا نفكر وكأننا في سنة 1967، وكأن مجرد التوصل إلى اتفاق يكفي لإقامة دولتين؛ لكن منذ سنة 1967، شهدنا نحو 60 عاماً من الاستيطان والضم والاستيلاء على الموارد الطبيعية الفلسطينية، وغيرها من الممارسات. إن السبيل الوحيد لتحقيق حل الدولتين يكمن أولاً في وقف الاستيطان وفرض عقوبات على الدولة التي تحتل الدولة الأخرى". وقد وجّه نشطاء-بمن فيهم المؤيدون لحل الدولتين-انتقادات حادة لهذا الاجتماع بسبب ما يعكسه من افتقار إلى الاتساق، وتساءلوا، في ضوء ممارسات الحكومات الأوروبية: "لماذا لا تتحركون ضد إسرائيل التي ترفض حكومتُها أي فكرة لإقامة دولة فلسطينية؟ ولماذا لا يكتفي الأوروبيون بالتعاون معها، بل يقوم بعض الدول -كألمانيا-بتزويدها بثلث احتياجاتها من الأسلحة المستخدمة في ممارساتها القمعية في غزة أو الضفة الغربية؟"؛ وهي تساؤلات "تسلط الضوء على جوهر المعضلة: كيف يمكن المطالبة بدولة فلسطينية دون امتلاك أدوات ضغط على إسرائيل التي تعارض هذا الأمر؟"[4].
"حل الدولتين" ممكن في حال توافر شروط أربعة
يتفق المحلل الاستراتيجي الفرنسي فرانسوا نورمان مع الرأي القائل إن إنشاء دولة للفلسطينيين يمثل تحدياً كبيراً، إذ إن نافذة الفرص المتاحة لتحقيق ذلك بدأت تغلق بسرعة، ويقترح، "بغض النظر عن ضرورة الوقف الفوري للحرب في غزة وإنهاء المعاناة المروعة التي يعيشها سكانها (ولا سيما الأطفال الذين يموتون جوعاً)"، أربعة شروط جوهرية لازمة لإقامة دولة فلسطينية يوماً ما، وهي:
وقف الاستيطان اليهودي: ففي الضفة الغربية، تنتهج الحكومات الإسرائيلية سياسة استيطانية ممنهجة منذ نحو خمسة عقود. وتتحدث الأرقام عن نفسها، "ففي عام 1972، كان عدد المستوطنين اليهود في الضفة الغربية يبلغ 10 آلاف مستوطن، منهم 8500 في القدس. أما في عام 2024، ووفقاً لتقديرات البنك الدولي، بلغ عدد سكان الضفة الغربية 4,026,000 نسمة، من بينهم 700,095 مستوطناً يهودياً؛ وهو ما يعني أن هؤلاء المستوطنين يشكلون 18% من سكان هذه الأراضي الفلسطينية المحتلة".
إصلاح النظام الانتخابي الإسرائيلي: يقوم النظام الانتخابي للبرلمان الإسرائيلي (الكنيست) على مبدأ التمثيل النسبي الكامل. ومع أن هذا النظام "يبدو ديمقراطياً للغاية، إلا إنه يضع الحزب المهيمن-الذي يتعين عليه تشكيل ائتلاف للحكم-تحت رحمة الأحزاب الصغيرة المتطرفة والدينية التي تمثل أنصار الاستيطان".
استبعاد حركة "حماس" من الحياة السياسية الفلسطينية: كي توافق إسرائيل على قيام دولة فلسطينية، "لا بد أن تحصل على ضمانات بأن هذه الدولة لن تخضع أبداً لحكم هذه المنظمة".
استلهام الدروس من النضال ضد نظام الفصل العنصري (الأبارتهايد) وتطبيقه على حالة إسرائيل. فإذا أصرت إسرائيل على المضي قدماً في سياسة الاستيطان في الضفة الغربية وربما في غزة، فإن الدول التي اعترفت بالفعل بالدولة الفلسطينية حتى الآن، "ينبغي عليها أن تتحلى بالاتساق في مواقفها وتمارس ضغوطاً اقتصادية على الدولة العبرية، بل وحتى تفرض حظراً إذا لزم الأمر، على غرار ما حدث مع جنوب أفريقيا".
ويخلص المحلل إلى أنه في غياب تحوّل جذري في مسار الصراع الإسرائيلي الفلسطيني سيظل مشروع إقامة دولة فلسطينية يوماً ما "مجرد حلم طوباوي". وسيكون لهذا الفشل ثمنٌ أيضاً، "يتمثل في حالة من عدم الاستقرار الجيوسياسي الهيكلي وطويل الأمد في الشرق الأوسط، وهي حالة ستتغذى بلا شك على أعمال إرهابية وحروب متفرقة"[5].
ما هي البدائل لحل الدولتين؟
في مقابلة أجراها كلٌ من مارك أندريه وسونغ أون تشوي، في 27 آذار/مارس 2025، مع روبرت مالي الدبلوماسي الأميركي المخضرم والمحاضر في جامعة ييل، أعلن مالي أنه لم يعد يعتقد بإمكانية تحقيق "حل الدولتين" للصراع الفلسطيني-الإسرائيلي، لأنه "لا يلبي التطلعات العميقة لأي من الطرفين"، وخصوصاً أنه قام "على تصور إثني-قومي لما يشكّل مجتمعاً سياسياً- يحمل بصمات واضحة لنشأته الأوروبية"، وكذلك على وهم أن "التقسيم الترابي" يمثل حلاً لصراع، هو في الواقع "ليس ترابياً في المقام الأول؛ بل هو صراع تاريخي وعاطفي"، أو "صراع هوياتي". وأضاف الدبلوماسي الأميركي السابق أنه "لم يكن هناك أي منطق في محاولة حل الصراع عبر مجرد تقسيم إقليمي مع تهميش التاريخ والعواطف والمخاوف والمشاعر الهوياتية؛ ذلك أن الصراع يتشكل-في جوهره-من التاريخ والعواطف والمخاوف والمشاعر الهوياتية ذاتها، وهذا لا يعني بالضرورة أن حل الدولتين كان محكوماً عليه بالفشل، إذ كان من الممكن-ربما-فرضه على الأطراف المعنية، ولو لفترة مؤقتة على الأقل، لكنه يعني، في المقابل، أنه ليس المخرج الطبيعي للصراع ولا الحل الذي يعالج جذوره"، معتبراً أن هذا الحل "بات اليوم وهماً محضاً، وضحيةً لنقائصه وللتطورات الميدانية والسياسية والنفسية التي شهدتها العقود الأخيرة. لقد تحول إلى مجرد شعار مضلل-أو لازمة-يكررها المسؤولون الأوروبيون تحديداً طوال الوقت لعدم امتلاكهم ما يقدمونه سواه، حتى وإن كان ذلك بمثابة غطاء للوضع الراهن في الأراضي المحتلة، أو-وهو الأسوأ-لتوسيع الاستيطان". وأكد مالي أنه لم يعد هناك طائل "من تكرار المسار ذاته بلا انقطاع، أو إحياء عقيدة "حل الدولتين"، أو دعوة "المعتدلين" من الجانبين للجلوس إلى طاولة المفاوضات واستئناف المسار من حيث توقفت اتفاقيات أوسلو وجهود الرؤساء كلينتون وبوش وأوباما، أو الحلم بأن يحل السلام المستنير أخيراً محل العنف الأعمى"، بل يتوجب "الاعتراف بضرورة إعادة النظر في كل شيء ومساءلة المسلّمات القائمة...لقد رُفضت أي حلول أخرى بخلاف حل الدولتين القائم على أسس عرقية وقومية، بحجة أنه الحل الوحيد الممكن أو الحتمي؛ يا له من وهم! إذ ثمة خيارات أخرى كثيرة: الوضع الراهن-أي الهيمنة الإسرائيلية على كامل الأراضي-وهو الخيار الأكثر ترجيحاً للأسف؛ أو التطهير العرقي؛ أو النظام الفيدرالي؛ أو الكونفدرالي (سواء بين إسرائيل وفلسطين، أو بين فلسطين والأردن)؛ أو الدولة ثنائية القومية؛ وغيرها الكثير؛ بعض هذه الخيارات واقعي وبعضها أقل واقعية، وبعضها مغرٍ بينما البعض الآخر ليس كذلك على الإطلاق". وتظل الحقيقة قائمة: "ثمة بدائل لحل الدولتين، وما يميزها عن هذا الحل هو أن حل الدولتين قد جُرِّب مراراً وتكراراً، وفشل في كل مرة"؛ وسواء في الغد أو في الأمس، "ينبغي توقع صدور تصرفات يائسة من فلسطينيين فقدوا الأمل ولم يعد لديهم ما يخسرونه بعد أن فقدوا كل شيء، ومقابلة ذلك بإجراءات انتقامية شرسة من إسرائيليين تحرروا من أي قيود ولم يعد لديهم ما يخشونه بعد أن بسطوا سيطرتهم على كل شيء"[6].
حل الدولة الواحدة والعقبات التي تواجهه
يقدّر أنصار حل الدولة الواحدة أن هناك أربعة اعتبارات رئيسية ترجح تبني هذا الحل، وهي: أولاً: يستند هذا الحل إلى "مثُل عليا حقيقية تنسجم تماماً مع قيم القرن الحادي والعشرين، لأن الدولة لا تقوم في هذه الحالة على أسس عرقية، وما يصاحب ذلك من مخاطر التطهير العرقي، وهذه المثل متجذرة لدى الجانبين؛ فقبل تبني خيار الدولتين عام 1974، كانت منظمة التحرير الفلسطينية تدعو إلى إقامة فلسطين علمانية وديمقراطية، وكذلك في مجتمع "اليشوف" قبل سنة 1948، لم تكن فكرة الدولة ثنائية القومية تلهم مثقفين مثل مارتن بوبر فحسب، بل كانت تحظى بتأييد أحزاب حصلت-في الانتخابات الداخلية عام 1944-على أكثر من 40% من الأصوات؛ ثانياً: أدى التطور الميداني إلى زيادة تداخل الشعبين؛ فهناك من جهة مئات آلاف المستوطنين في الضفة الغربية والقدس الشرقية، ومن جهة أخرى هناك مئات الآلاف من الفلسطينيين الذين يحملون الجنسية الإسرائيلية؛ ونتيجة لذلك، قد يبدو أن صيغة الدولة ثنائية القومية ستكون قادرة على حل بعض القضايا الجوهرية-مثل الحدود والعاصمة والمستوطنات وحق العودة وغيرها-بشكل أيسر"؛ ثالثاً: إن ثمة شكوكاً عميقة حول قابلية حل الدولة الفلسطينية للتحقق على أرض الواقع، إذ انتهجت السلطات الإسرائيلية، منذ عام 1967 وبوتيرة متسارعة خلال العقود الأخيرة، سياسة أدت إلى خلق واقع يجعل من المستحيل التوصل إلى اتفاق سلام يرتكز على منطق الفصل المؤدي إلى قيام دولتين، وذلك في سياق التوسع في احتلال الأراضي الفلسطينية واستيطانها، وتضاعف أعداد المستوطنين، والحؤول دون نشوء اقتصاد فلسطيني مستقل وقابل للحياة؛ رابعاً: بعد نحو ثلاثين عاماً على اتفاق أوسلو، لا تزال السلطة الفلسطينية سلطة انتقالية ولا تتمتع بأي سيادة على الأرض، بحيث أن الشروط المادية والقانونية اللازمة للحديث عن "دولة" تظل غير مكتملة، ذلك أنه، وبعيداً عن النجاحات الدبلوماسية التي أحدثت صدىً إعلامياً كبيراً، لا وجود لدولة دون سيادة سياسية وإقليمية.
ويشير بعض أنصار هذا الحل، أخيراً، إلى أنه "يظل نظرياً للغاية، لا سيما فيما يتعلق بطبيعة هذه الدولة وهيكليتها، وهو يتعارض مع مسار استمر لأكثر من عقدين، عمل خلالهما المجتمع الدولي بأسره على تعزيز حل الدولتين ومحاولة إقناع الشعبين بحتميته"، كما أنه "يصعب تصور فرض دولة ديمقراطية موحدة على شعبين لا يرغبان في ذلك"، وبالتالي، فإن تحقيقه "يتطلب جهوداً هائلة في مجال المناصرة والإقناع، لا سيما في الجانب الإسرائيلي، إذ إنه يمثل نهاية الحلم الصهيوني المتمثل في إقامة دولة قومية يهودية"[7].
خاتمة
منذ وصول "عملية السلام" التي انطلقت في مدريد وتواصلت في أوسلو إلى طريق مسدود، وخيبة الرهان على تحوّل الحكم الذاتي المحدود إلى دولة فلسطينية مستقلة، جراء السياسات الإسرائيلية التي حظيت بتواطؤ الإدارات الأميركية المتعاقبة، يحتدم النقاش حول الخيارات المطروحة أمام الشعب الفلسطينية، وتطرح خلال هذا النقاش أفكار بعضها منطقي، وبعضها الآخر غير منطقي، كفكرة استبعاد حركة "حماس" من الحياة السياسية الفلسطينية.
وإذا كان هذا النقاش مفيداً، في مجال العصف الفكري، إلا إنه لا طائل منه، على أرض الواقع، في اللحظة التاريخية الراهنة. فالتحدي الكبير الذي يواجهه الشعب الفلسطيني اليوم لا يتمثل في أن يختار حلاً من حلين لا تتوافر شروط تحققهما: دولة فلسطينية مستقلة، إلى جانب دولة إسرائيل، أو دولة واحدة، بل يتمثل في العمل على الحفاظ على وجوده وتوفير مقومات صموده على أرضه، وذلك إلى أن يحصل تغيّر على موازين القوى، المحلية والإقليمية والدولية، وهو ما يتطلب تطوير المقاومة الشعبية غير المسلحة وتأطيرها وتوفير قيادة موحدة لها، والاستمرار في تدويل القضية الفلسطينية وفرض المزيد من العزلة الدولية على إسرائيل وتوسيع الحملة الرامية إلى فرض المقاطعة والعقوبات عليها.



مواضيع متعلقة
مواقع اخبار عبرية
مواقع اخبارية عربية
مواقع اقتصادية
مواقع رياضة
بنوك
راديو