
















اهلا عندما يتغير ميزان القوى في المنطقة –
تملي ايران شروطها، وتطلب انهاء الحروب
وفلسطين تدخل طرفا في المعادلة
يحاول المستعمرون الاميركيون وعملاؤهم واذنابهم في منطقتنا، في المشرق العربي والشرق الاوسط، ترميم قوتهم في المنطقة واستعادة ولو جزء من الهيبة التي فقدوها اثر فشلهم في الحرب الخائبة، التي شنتها اميركا واسرائيل على ايران. لقد تكبدت الجمهورية الاسلامية ما تكبدته من خسائر خلال الحرب، غير انه يبدو ان المستعمرين الاميركيين وتابعيهم تكبدوا من الخسائر اضعاف ما لحق بايران. وفي آخر تقرير صدر في اميركا، في هذا الصدد، تبين انها خسرت نحو 45 مليار دولار بسبب هذه الحرب، بما في ذلك تدمير قواعدها، في كافة الدول المجاورة لايران، على الطائرات والعتاد المكلف الذي كان داخلها، نتيجة للهجمات الايرانية، بالصواريخ والمسيرات.
ولم يقف الامر عند هذا الحد، بل اُعلن ايضا انه لم يبق لدى اميركا "الكبيرة" ما يكفي من الصواريخ الاعتراضية لصد هجمات الباليستي الايراني (كذا!)، وان انتاح كميات كافية منها يتطلب وقتا غير قصير، وبالتالي اصبح الجيش الاميركي غير قادر على الدفاع عن نفسه او عن حلفائه بنجاعة، خصوصا بعد ان تم تدمير كافة قواعده في المنطقة، بشكل او بآخر. ويبدو ان هذا هو السبب وراء توقف ذلك البلطجي ترامب عن التبجح واطلاق التهديدات الجوفاء، ومن ثم الدعوة الى اجراء مفاوضات مع ايران.
ويبدو كذلك ان اميركا تعلمت دروسا مفيدة للمنطقة من خسارتها الحرب على ايران. فقد جاء في الانباء ان سلطات تلك الدولة المتعجرفة وصلت الى قناعة مفادها ان تموضعها في المنطقة، كما كان عليه الوضع قبل نشوب الحرب، بات غير مفيد. لذلك قررت تقليص عدد قواعدها في الدول المجاورة لايران، وعدم ترميم قسم منها او العودة لاستماله.
ويبدو ايضا ن المستعمرين الاميركيين قرروا تحميل جزء من اعباء "الدفاع" عن المنطقة الى دولها، من المتعاونين معها واتباعهم. وفي هذا الاطار عقدت، بمبادرة من رئيس الاركان الاميركي، ولاول مرة، اجتماعا سريا لرؤساء اركان 7 دول عربية، هي كل دول مجلس التعاون الخليجي والاردن ومصر، مع رئيس الاركان الاسرائيلي، وذلك لضمان التعاون والتنسيق بين هذه الاطراف جميعا، لما يخدم مصالح اميركا اولا ويخفف عنها اعباء السيطرة على المنطقة.
والحقيقة ان مثل هذا التحالف، ان تم فعلا، لن يذهب بعيدا او يفيد كثيرا، بل يصح فيه قول ذلك المثل: "التقى الخايب على متعوس الرجا". لقد تلقت الدول العربية، مستضيفة القواعد الاميركية، ومعها اسرائيل، ما يكفي من الضربات الايرانية، عندما كانت اميركا تقف الى جانبها؛ ولا شك انها ستتلقى ضربات اعنف، اذا حاولت اللعب بذيولها، عندما تكون اميركا غائبة.
مشكلة اميركا وتابعيها في المنطقة تكمن حقيقة في ما كشفت عنه الحرب الاخيرة من بروز ايران كقوة رئيسية في المنطقة لا يمكن تجاهل مواقفها. وقد تم ذلك نتيجة عاملين مهمين، اولهما القوة الايرانية الذاتية، التي ظهرت خلال الحرب؛ وثانيهما الاحلاف مع روسيا من جهة والصين من جهة اخرى. وهذه معطيات توفر لايران عناصر قوة، لا يستطيع حتى المستعمرون الاميركيون، ولا اتباعهم بالطبع، القفز عنها او تجاهلها.
ولا شك ان ايران مدركة تماما لمكانتها وقدراتها، اذ يلاحظ بوضوح انه ما من مرة قامت فيها اميركا بالاعتداء عليها الا وردّت هذه الصاع صاعين، مهما كان الاعتداء هامشيا. بل ان هذا الموقف يتضح بصورة اكثر جلاء عند التعامل مع اسرائيل، على استخفاف ايران الواضح بها. فقبل فترة قصيرة، مثلا، اصدر وزير الامن الاسرائيلي الارعن كاتس "امرا" باخلاء الضاحية الجنوبية من بيروت، ذات الاكثرية السكانية الشيعية، في محاولة للضغط على حزب الله وحمله على تغيير سياساته، فانبرت ايران للدفاع عن حليفها، واعلنت بسرعة ان تهجير ضاحية بيروت الجنوبية سيقابله تهجير سكان شمال اسرائيل، وقامت في اعقاب ذلك باطلاق 4 صواريخ باليستية عل صفد وطبريا ونهلال وحيفا، وكلها تقع في شمال اسرائيل. ولما لم يصدر أي رد فعل عن اسرائيل في اعقاب ذلك، مشت ايران خطوة اخرى، فقامت في صباح اليوم التالي باطلاق 10 صواريخ على اسرائيل دفعة واحدة، 3 منها على المنطقة الشمالية و 4 على وسط اسرائيل و 3 على الجنوب، مما دفع نحو 3 ملايين اسرائيلي الى دخول الملاجئ. وفي مساء ذلك اليوم اعلن كاتس الغاء انذاره ونسي الضاحية منذ ذلك اليوم.
ورغم ذلك، ومن ناحية اخرى، تبدي ايران عقلانية ملموسة وواضحة في ادارة سياساتها وتحديد مواقفها. فقد اوضح رئيس مجلس الشورى الايراني قاليباف ضرورة خوض المعركة العسكرية والتفاوض في آنٍ معاً، مشدداً على أنّ طهران لا ترى الحرب والمفاوضات مسارين متناقضين. وتعقيبا على المقترحات الاميركية الاخيرة بشأن انهاء الحرب ارسلت ايران ردا من 7 بنود. وفي ردها طلبت توقف الولايات المتحدة عن تهديدها، و"إنهاء الحرب عليها كما إنهاء الحرب في كل من لبنان وفلسطين واليمن والعراق إلى الأبد"، ورفع الحصار البحري عن إيران، وإخراج قواتها العسكرية من محيطها، ودفع أضرار الحرب ورفع العقوبات.
ولعل اهم ما جاء في الرد الايراني هو ذاك المتعلق بانهاء الحروب، وهذا هو اساسا سر اهتمامنا بالموقف الايراني، خصوصا فيما يتعلق بفلسطين. اننا نسمع منذ عقود عن اهتمام العرب بقضية فلسطين واستعدادهم لنصرة اهلها. ولكن ذلك كله لم يكن اكثر من مجرد كلام فارغ، وسيبقى كذلك ما دامت كل تلك الانظمة تدور في فلك اميركا وبالتالي تتصرف، بشكل او بآخر، كمتواطئة مع اسرائيل. وليس هذا فقط، بل ان بعضها، ونخص بالذكر الامارات والمغرب، تعقد الاحلاف السياسية والاقتصادية، واحيانا حتى العسكرية، مع الاحتلال الصهيوني. وهذا كله دون ان نشير الى كوارث التنسيق الامني الفلسطيني "المقدس" مع الاحتلال، الذي يحمي الاستيطان الصهيوني في الضفة من جهة، ويساهم في تحويل المنطقة الى مستعمرة اسرائيلية من جهة اخرى.
سيكون من المفيد للغاية ان وضعت ايران المسألة الفلسطينية في اهتمامها، كما تفعل مع حزب الله وصحبه, وهذا يمكن ان يعود بالنفع على فلسطين واهلها باكثر مما فعله بعض العربان خلال عقود.
وما لم يحققه العرب من حل لقضية فلسطين او نصرتها ربما يقوم بتنفيذه العجم.