
















اهلا الاعتراف المقلوب: حين تطالب الأكثريّةُ الأقلّيةَ بأن تُبارك دونيّتها
- بروفيسور رياض اغبارية
في كلّ استحقاقٍ انتخابيّ، تُعيد الأحزاب الصهيونيّة الكبرى تدويرَ الشرط ذاته: لا شراكة مع الأحزاب العربيّة في الائتلاف الحكوميّ ما لم تُعلن اعترافها الصريح بـ«يهوديّة الدولة»، وبأنّ إسرائيل «دولةٌ يهوديّة وديمقراطيّة» و«البيت القوميّ للشعب اليهوديّ»، وأن تُبارك منظومةَ الخدمة العسكريّة والوطنيّة. يُقدَّم الشرط بوصفه بديهيّةً وطنيّة، غير أنّه في عمقه يقلب رأساً على عقب منطقَ الاعتراف كما استقرّ في القانون الدوليّ والفكر السياسيّ الحديث.
فالاعتراف، في أدبيّات حقوق الإنسان والأقلّيّات، مسارٌ يسري من الدولة والأكثريّة نحو الأقلّيّة، لا العكس. المادّة السابعة والعشرون من العهد الدوليّ الخاصّ بالحقوق المدنيّة والسياسيّة تُلزم الدولَ بأن تكفل للأقلّيّات الإثنيّة والدينيّة واللغويّة حقَّها في ثقافتها ولغتها وهويّتها؛ وإعلان الأمم المتّحدة لعام 1992 بشأن حقوق المنتمين إلى أقلّيّاتٍ قوميّة أو إثنيّة يُحمّل الدولةَ واجبَ حماية وجود الأقلّيّة وصون تميّزها. الأصل، إذن، أن تعترف الدولةُ بأقلّيّتها القوميّة، لا أن تشترط على الأقلّية أن تعترف هي بالسرديّة القوميّة للأكثريّة ثمناً لدخولها الحقلَ السياسيّ.
#
وحين نسأل: هل عرف التاريخُ دولةً طالبت أقلّيّتَها بالاعتراف بها شرطاً لشرعيّة مشاركتها السياسيّة؟ نجد أنّ منظومة حماية الأقلّيّات الحديثة — من معاهدات الأقلّيّات التي أبرمتها عصبةُ الأمم غداةَ الحرب العالميّة الأولى، إلى الشرعة الدوليّة لحقوق الإنسان بعد الحرب الثانية — قد وُلدت أصلاً لتقيَ الأقلّيّاتِ من هيمنة الأكثريّات، لا لتُخضعها لاختبارات ولاءٍ أيديولوجيّة. صحيحٌ أنّ الدول تعرف قَسَمَ الولاء للدستور أو للقانون، لكنّ فرقاً جوهريّاً بين الولاء لنظامٍ قانونيّ يَعِد بالمساواة، وبين مطالبة المواطن الأصلانيّ بأن يُقرّ بأفضليّةٍ قوميّةٍ تجعله، بحكم التعريف، مواطناً من الدرجة الثانية. الأوّل التزامٌ مدنيّ مشروع، والثاني مطالبةٌ بالتوقيع على صكّ دونيّته.
وهنا يكمن جوهرُ المأزق. أن يعترف المواطنُ العربيّ بأنّ الدولة «قوميّةٌ للشعب اليهوديّ حصراً» ليس فعلاً محايداً؛ إنّه قبولٌ بترتيبٍ هرميّ رسّخه قانونُ أساس: الدولة القوميّة للشعب اليهوديّ عام 2018، حين نصّ على أنّ حقّ تقرير المصير القوميّ في هذه الدولة «حِكرٌ على الشعب اليهوديّ وحده». الاعتراف المطلوب، على هذا النحو، اعترافٌ بأنّ اليهوديّ في المرتبة الأولى والعربيّ في المرتبة الثانية؛ وهو، من ثمّ، تنازلٌ مسبقٌ عن الحقّ في النضال من أجل المساواة. يُطلب من الأقلّية أن تُشرعن، بلسانها، المعادلةَ التي تُقصيها.
ثمّ إنّ في توقيت المطلب مفارقةً لاذعة: أن يُطالَب بالاعتراف مواطنون يحملون «الهويّة الزرقاء» منذ قيام الدولة، ولهم نوّابٌ منتخَبون في الكنيست، بعد نحو ثمانين عاماً على تأسيسها. وكأنّ المواطَنة — التي هي في حقيقتها حقٌّ أصيلٌ لأصحاب الأرض الأصلانيّين لا مِنّةٌ تُمنح — تبقى ناقصةً معلّقةً على شرطٍ عقائديّ يتجدّد في كلّ حملةٍ انتخابيّة. إنّها مواطنةٌ على سبيل التجربة، تُستدعى صلاحيّتُها للمراجعة كلّما اقتضت حسابات الائتلاف.
سيُقال دفاعاً عن الشرط إنّ لكلّ دولةٍ أن تُعرّف طابعها، وإنّ المطلوب مجرّدُ «اعترافٍ بواقع». غير أنّ الأمر لا يتعلّق بتعريفٍ رمزيّ، بل باستخدام «الاعتراف» فزّاعةً سياسيّة: شرطٌ يُصاغ ابتداءً بحيث يستحيل على من يطلب المساواةَ قبولُه، فيُقصى العربُ من الشراكة مع الاحتفاظ بمظهر المبدئيّة. هذه هي البراغماتيّة المقلوبة: تُصنَع العقبةُ أوّلاً لتُبرَّر بها القطيعةُ لاحقاً. وفي هذا استخفافٌ صريحٌ بعقول الأقلّية وبحقوقها، وامتهانٌ لفكرة المواطنة المتساوية التي تقوم عليها الديمقراطيّة ذاتها.
إنّ الديمقراطيّة لا تشترط على مواطنيها اعتناقَ سرديّة الأكثريّة ثمناً لحقّهم في الحكم والتمثيل؛ فالمشاركة السياسيّة حقٌّ ينبع من المواطنة، لا هبةٌ مشروطةٌ بقَسَمِ ولاءٍ للهويّة القوميّة للآخر. والاختبار الحقيقيّ لأيّ نظامٍ يزعم لنفسه الديمقراطيّة ليس في قدرته على انتزاع اعترافٍ من أقلّيّته، بل في استعداده هو للاعتراف بها: بوجودها الأصلانيّ، وبروايتها، وبحقّها الكامل غير المنقوص في المساواة. أمّا أن تُطالب الأكثريّةُ الوافدةُ الأقلّيّةَ الأصلانيّةَ بأن تباركَ أفضليّتها، فتلك ليست شرطاً للشراكة بل نقيضُها، وليست دفاعاً عن الدولة بل إفصاحٌ عن خللٍ في تعريفها لذاتها.
المساواةُ لا تُتسوَّل بالاعتراف، بل يقتضيها الحقّ.