
















اهلا استطلاعات الرأي… بين المؤشر والنتيجة جملة شمعون بيرس الاستطلاعات مثل العطر تشم رائحته ،لكن لا ينبغي ان تشربه قال رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق شمعون بيرس ذات مرة: “استطلاعات الرأي مثل العطر؛ يمكنك أن تشم رائحته، لكن لا ينبغي أن تشربه.” ولعل هذه العبارة تختصر أفضل وصف لمكانة استطلاعات الرأي في الأنظمة الديمقراطية؛ فهي تمنحنا انطباعًا عن اتجاهات الناخبين، لكنها لا تمنحنا الحقيقة الكاملة، ولا تستطيع أن تتنبأ يقينًا بما ستقوله صناديق الاقتراع. ومع اقتراب كل انتخابات، تتصدر استطلاعات الرأي المشهد الإعلامي، وتتحول إلى محور للنقاشات والتحليلات، بل إن بعضها فد يؤثر في سلوك الناخبين والأحزاب ووسائل الإعلام. غير أن الاستطلاع، من الناحية العلمية، ليس أكثر من قياس لاتجاهات الرأي في لحظة زمنية محددة، يعتمد على عينة من الناخبين ويخضع لهامش خطأ إحصائي، كما يتأثر بطريقة اختيار العينة، ونسبة المستجيبين، والتغيرات التي قد تطرأ على مواقف الناخبين حتى يوم الاقتراع. وقد أثبتت تجارب كثيرة أن الفارق بين الاستطلاعات والنتائج الفعلية قد يكون كبيرًا. ويُعد المثال الإسرائيلي في انتخابات عام 1996 من أبرز هذه الحالات؛ إذ أظهرت معظم استطلاعات الرأي تقدم شمعون بيرس على منافسه بنيامين نتنياهو، حتى إن كثيرين اعتبروا فوزه شبه محسوم. إلا أن النتيجة النهائية جاءت مغايرة، حيث فاز نتنياهو بفارق ضئيل لم يتجاوز نحو 29 ألف صوت، لتتحول تلك الانتخابات إلى نموذج كلاسيكي يُستشهد به عند الحديث عن حدود دقة استطلاعات الرأي. ولم تكن الاستطلاعات في إسرائيل استثناءً؛ فقد شهد العالم حالات مشابهة، منها الانتخابات الرئاسية الأمريكية عام 2016، واستفتاء خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي Brexit، وعدد من الانتخابات البرلمانية في أوروبا، حيث أخفقت استطلاعات عديدة في توقع النتيجة النهائية بدقة. ويعزو الباحثون ذلك إلى أسباب متعددة، منها وجود ناخبين لا يكشفون عن خياراتهم الحقيقية، وتغير قرارات بعض الناخبين في الأيام أو الساعات الأخيرة، وصعوبة تمثيل جميع فئات المجتمع داخل العينات، فضلًا عن اختلاف نسب المشاركة الفعلية يوم الانتخابات عما تفترضه نماذج الاستطلاع. ومن المهم أيضًا التمييز بين نوعين من الاستطلاعات؛ فهناك استطلاعات تتعلق بالانتخابات البرلمانية، وهي أكثر تعقيدًا لأنها لا تقتصر على تقدير نسبة التصويت، بل تحاول أيضًا توقع توزيع المقاعد وفق النظام الانتخابي المعمول به، وهناك استطلاعات خاصة بالانتخابات المباشرة لرئاسة الدولة أو رئاسة الحكومة، والتي تركز على قياس فرص المرشحين في الفوز، لكنها هي الأخرى ليست بمنأى عن الخطأ. إن استطلاعات الرأي تظل أداة علمية مهمة لفهم المزاج العام، لكنها ليست حكمًا نهائيًا على نتائج الانتخابات. فهي تساعد على قراءة المشهد السياسي، لكنها لا تصنعه، لأن القرار الحقيقي يبقى بيد الناخب عندما يقف أمام صندوق الاقتراع. ومن هنا تبقى مقولة شمعون بيرس ذات دلالة عميقة: “استطلاعات الرأي مثل العطر؛ يمكنك أن تشم رائحته، لكن لا ينبغي أن تشربه.” إنها دعوة إلى الاستفادة من الاستطلاعات دون الوقوع في وهم اليقين، فالديمقراطية تُحسم بإرادة الناخبين، لا بتوقعات استطلاعات الرأي. المصادر 1. Yariv Tsfati, Why do People Trust Media Pre-Election Polls? Evidence from the Israeli 1996 Elections, International Journal of Public Opinion Research, Oxford University Press.
بقلم: غزال أبو ريا
2. UPI Archives, Polls Favor Peres for Elections، 10 مايو 1996.
3. The Washington Post, Netanyahu Apparent Winner in Israel، 30 مايو 1996.
4. Graham Tierney & Alexander Volfovsky, Bias and Excess Variance in Election Polling, arXiv, 2022.
5. Ynet – توثيق مقولة شمعون بيرس حول استطلاعات الرأي.