
















اهلا لماذا أتوقع أن يستمر الصراع ، ربما، مئة عام أخرى؟
في العقود الأخيرة، وبعد السابع من أكتوبر على وجه الخصوص، بات واضحًا أن المشكلة في إسرائيل لم يعد ممكنًا اختزالها في حكومة متطرفة، أو وزراء غيبيين، أو حتى في نتنياهو نفسه. المشكلة أعمق. إنها، إلى حد بعيد، مشكلة مجتمع وشعب.
قد لا يجوز التعميم، وهذا صحيح. لكن السياسة لا تُقرأ بالاستثناءات، بل بالاتجاهات الغالبة. وحين تتكرر المواقف ذاتها في صناديق الاقتراع واستطلاعات الرأي والشارع والإعلام، فإننا لا نعود أمام تطرف هامشي، بل أمام مزاج جمعي له أثر سياسي حقيقي.
المعطيات تقول الكثير. استطلاعات السنوات الأخيرة تظهر تراجعًا حادًا في قبول قيام دولة فلسطينية. وفي استطلاع نُشر عام 2025 أيد 82% من اليهود الإسرائيليين تهجير سكان غزة، فيما أيد 56% إخراج المواطنين العرب من إسرائيل. وفي استطلاع آخر، لم يعد سوى 21% من الإسرائيليين يعتقدون بإمكان تعايش إسرائيل ودولة فلسطينية بسلام.
قد تختلف النسب باختلاف السؤال والاستطلاع، لكن الاتجاه واحد. المجتمع الإسرائيلي يتحرك بعيدًا عن التسوية، لا نحوها.
وفي الخلفية يقف قانون القومية، الذي كرّس ، ما كان موجوداً وممارساً منذ اللحظة الاولى ، أن حق تقرير المصير القومي في الدولة يخص الشعب اليهودي وحده لابقاء فوقية اليهود على غيرهم. القانون هنا ليس مجرد نص دستوري. إنه تعبير عن تصور لإسرائيل باعتبارها دولة الشعب اليهودي أولًا، لا دولة جميع مواطنيها على قدم المساواة .
ومن يتجول في الشارع الإسرائيلي ويسمع الإسرائيلي العادي، لا يحتاج دائمًا إلى استطلاع رأي. عبارات مثل "لا أبرياء في غزة"،والدعوات إلى محو غزة أو بيروت، تتكرر في الخطاب الشعبي والإعلامي والسياسي، وتكشف عن أخطر ما يمكن أن يصيب مجتمعًا يعيش صراعًا طويلًا. أن يتحول الآخر من إنسان له اسم وحياة وحقوق، إلى كتلة واحدة اسمها "العدو".
عندها يصبح القتل أسهل أخلاقيًا، لأن الضحية جُرّدت أولًا من إنسانيتها.
ومنذ السابع من أكتوبر، ظهر تأييد واسع للحرب واستخدام القوة على مختلف الجبهات، حتى حين انقسم الإسرائيليون حول نتنياهو وإدارته للحرب وقضية الأسرى بقوا شبه مجمعين على الحرب.
وهذه نقطة جوهرية.
قد يريد الإسرائيلي تغيير القائد، لا تغيير العقيدة.
والإعلام الإسرائيلي، في معظمه، لم يقف خارج هذه الحالة، بل كان جزءًا منها. غلب عليه منطق التعبئة الوطنية وتقديس صورة الجيش، وكان وما يزال إعلاماً حربياً بامتياز ، فيما ظل السواد الأعظم من القتل والدمار والتشريد في غزة بعيدًا عن عين المشاهد الإسرائيلي.
قد لا يكون مطلوباً من مجتمع عاش صدمة السابع من أكتوبر أن يتجاهل ألمه لما اعتبره اخطر ما حدث له منذ المحرقة قد يقول قائل . لكن المشكلة تبدأ حين يصبح، كما كان دائماً، ألمه الوحيد الذي يستحق أن يُرى، بينما يتحول ألم الآخر إلى رقم أو تفصيل عابر.
لهذا تبدو أصوات مثل الصحافي جدعون ليفي الذي يتحدث عن حرب ابادة ،نادرة . فهو يدين الاحتلال ويصف ما يحدث في غزة بأقسى المصطلحات، وقد أصبح مكروهًا لدى قطاعات واسعة . والمهم هنا ليس ليفي نفسه، بل ما يكشفه ذلك. مجرد رؤية الفلسطيني من خارج رواية الحرب السائدة أصبحت موقفًا شبه شاذ.
والمفارقة أن لغة قاسية تجاه الجيش بدأت تأتي حتى من أماكن غير متوقعة. فحتى بعض كبار حاخامات الحريديم، وإن كان خلافهم الأساسي مع الدولة متعلقًا برفض التجنيد، بدأوا يتحدثون بلغة شديدة القسوة عن الجيش والقتل، كما ظهر في تصريحات الحاخام دوف لاندو الأخيرة .
وهنا تبدو "نبوءة" البروفيسور يشعياهو ليبوفيتش أكثر راهنية من أي وقت مضى.
لقد حذّر منذ عقود من أن الاحتلال الدائم لشعب آخر لن يفسد حياة الواقعين تحت الاحتلال وحدهم، بل المجتمع الذي يمارسه أيضًا. فالسيطرة الطويلة بالقوة تحتاج دائمًا إلى تبرير أخلاقي، وأسهل طرق التبرير هي نزع صفة الإنسان عن الطرف الآخر في مقابل فوقية الإسرائيليين .
وهذا ما يعرفه علم الاجتماع السياسي جيدًا. ما يتكرر طويلًا يتحول إلى طبيعي.
الاحتلال يصبح "أمنًا".
الاستيطان يصبح "حقًا".
التهجير يصبح "حلًا".
والقتل الجماعي يتحول إلى أرقام.
ومع الوقت لا يعود العنف استثناءً يحتاج إلى تبرير، بل يصبح هو القاعدة، بينما يصبح السلام هو الفكرة الغريبة التي تحتاج إلى تفسير.
ولهذا من الخطأ الاعتقاد أن بن غفير وسموتريتش مجرد متطرفين اختطفا إسرائيل.
هما أقرب، هذه الأيام، إلى مرآة لوجه موجود أصلًا في المجتمع وواسع الانتشار . لم يصنعا هذا المزاج من العدم، بل أعطياه لغة سياسية صريحة. ما كان يُقال همسًا أصبح يُقال على منصة الكنيست، وما كان يُعتبر تطرفًا قبل سنوات أصبح جزءًا من النقاش السياسي المشروع.
والدليل الأهم ليس اليمين، بل المعارضة.
فالمعارضة الإسرائيلية تعارض نتنياهو، لكنها لا تقدم في المسألة الفلسطينية انقلابًا حقيقيًا على منطقه. كثيرًا ما تزايد عليه في القوة والحسم والردع، وتعيّره بأنه فشل في حسم الحروب، وتتعهد بيد أكثر حديدية، بينما تهرب هي الأخرى من السؤال الذي يقف خلف كل الحروب.
ماذا نفعل بالشعب الفلسطيني؟
يمكن تغيير الحكومة.
يمكن أن يسقط نتنياهو.
ويمكن أن يختفي بن غفير وسموتريتش.
لكن إذا بقيت الفكرة نفسها، فما الذي تغير؟
ولهذا أتوقع أن يستمر الصراع مئة عام أخرى.
ليس الرقم نبوءة حسابية، بل وصف لمسار تاريخي. فالصراعات لا تستمر لأنها عصية على الحل فقط، بل لأن المجتمعات تعيد إنتاج الأسباب التي أنشأتها.
ما دام الفلسطيني يُرى مشكلة ديموغرافية أو تهديدًا أمنيًا قبل أن يُرى إنسانًا وشعبًا له حقوق، ستتغير الحكومات والقادة، وستتغير أسماء الحروب والتحالفات، لكن الصراع سيجد في كل جيل سببًا جديدًا ليستمر.
فالحروب الطويلة لا تعيش بالسلاح وحده.
إنها تعيش حين تصبح الحرب فكرة موروثة. يتسلمها جيل بوصفها ضرورة، ثم يورثها للجيل التالي بوصفها قدرًا.