
















اهلا-زياد حلبي إسرائيل حين يصبح الخوف دولة
ليس ما جرى في إسرائيل بعد السابع من أكتوبر مجرد موجة انتقام. الانتقام يفسر الصدمة الأولى، لكنه لا يفسر كيف تحولت كلمات مثل السحق والمحو والهدم إلى لغة يومية في الإعلام والسياسة والشارع. ولا يفسر كيف صار تدمير غزة يحظى بتأييد واسع، فيما ترتفع الأصوات نفسها ، الآن،مطالبة بتدمير بيروت وتشديد القبضة على الضفة وتوسيع الاحتلال العسكري في سوريا ولبنان.
المشكلة أعمق من حكومة يمين أو لحظة غضب. إسرائيل تعيش منذ عقود داخل فكرة اسمها الخوف الوجودي. دولة قامت على ما يفترض انها ذاكرة اضطهاد تاريخية، ثم أعادت بناء وعيها الجماعي على أن العالم كله يمكن أن ينقلب عليها في أي لحظة. ومع الوقت لم يعد الأمن وظيفة للدولة، بل أصبح عقيدتها السياسية والأخلاقية. حتى السلام نفسه جرى التعامل معه بوصفه منجز أمني و استراحة مؤقتة بين حربين.
بعد أوسلو كان هناك حديث في إسرائيل عن “الأرض مقابل السلام”. اليوم اختفت العبارة كلها من القاموس السياسي واصبحت كلمة"سلام" تقابل برفض وغضب . حل محلها تعبير آخر: “إدارة الصراع”. أي التعايش مع حرب دائمة منخفضة أو مرتفعة الكلفة، من دون حل سياسي. لهذا تبدو المعارضة الإسرائيلية، في كثير من الأحيان، أكثر اختلافا مع نتنياهو على طريقة إدارة الحرب لا على مبدأ الحرب نفسه. الجميع يتحدث عن الردع والحسم واستعادة الهيبة، بينما تكاد تختفي كلمات مثل الاحتلال أو الدولة الفلسطينية أو العدالة التاريخية.
في علم النفس السياسي هناك مفهوم اسمه “نزع الإنسانية”. أي تحويل الخصم من إنسان له تاريخ وحقوق وذاكرة، إلى مجرد خطر أمني أو عبء ديموغرافي. وحين يحدث ذلك يصبح العنف أسهل، لا باعتباره ضرورة عسكرية فقط، بل فعلا أخلاقيا أيضا. هنا يمكن فهم كيف انتقل جزء واسع من المجتمع الإسرائيلي من فكرة “التعايش المستحيل” إلى فكرة “الإزالة الممكنة”.
لقد لعب الاحتلال الطويل دوره الكامل في هذا التحول. أجيال إسرائيلية كاملة نشأت من دون معرفة حقيقية بالنكبة أو التهجير أو حياة الفلسطيني خارج صورته كعدو. الفلسطيني جرى تقديمه دائما باعتباره مشكلة أمنية ، يجب التخلص منها ،لا شعبا له قضية. ثم جاءت الشعبوية القومية والدينية لتضيف طبقة جديدة من اليقين المغلق ما بين" الشعب المختار" والأغيار : نحن وحدنا الضحية، ونحن وحدنا أصحاب الحق الكامل في الأرض، أما الآخر فوجوده نفسه تهديد مؤجل.
المفارقة القاسية أن إسرائيل التي قامت أصلا بوعد "النجاة من خوف التاريخ"، تبدو اليوم أكثر الدول أسرا لهذا الخوف. وحين يتحول الخوف إلى بلد كامل، تصبح الحرب قدرا دائما، ويصبح السلام مجرد هدنة قصيرة يخشى الجميع نهايتها.