X أغلق
X أغلق
الطقس
° - °
ترشيحا
° - °
معليا
° - °
بئر السبع
° - °
رام الله
° - °
عكا
° - °
يافا
° - °
القدس
° - °
حيفا
° - °
الناصرة
اسعار العملات
دولار امريكي
3.445
جنيه استرليني
4.1949
ين ياباني 100
2.5079
اليورو
3.6240
دولار استرالي
2.3021
دولار كندي
2.5184
كرون دينيماركي
0.4872
كرون نرويجي
0.3437
راوند افريقي
0.1994
كرون سويدي
0.3316
فرنك سويسري
3.6639
دينار اردني
4.8531
ليرة لبناني 10
0.0228
جنيه مصري
0.1398
اعلانات يد ثانية
تصفح مجلدات وكتب
الاستفتاء
مواقع صديقة

رمضان تحت أضواء النيون

admin - 2026-02-05 17:28:41
facebook_link

اهلا

رمضان تحت أضواء النيون

بقلم: المهندس غسان جابر

في كل عام، يدخل رمضان بهدوء العارفين… فنستقبله نحن بضجيج العروض، وصفارات التخفيضات، وقوائم طعام تكفي لإطعام حيٍّ بأكمله يعاني من سوء تفاهم مع مفهوم “الصيام”.

أقف في طابور أحد المتاجر قبل أيام من الشهر الفضيل، فأشعر أنني لا أستعد لعبادة، بل لحصار طويل. عربات التسوق ممتلئة حتى الحافة، الوجوه متجهمة، والكل يتصرف وكأن إشاعة سرية انتشرت: “الطعام سيختفي بعد رؤية الهلال، تصرّفوا بسرعة”.

رمضان، شهر الزهد، أصبح مناسبة سنوية نثبت فيها أن الإنسان يستطيع أن يجوع طوال النهار… فقط ليأكل بعد المغرب وكأنه يفاوض معدته على اتفاق سلام شامل.

الأسعار… ترتقي قبل الأرواح

قبل أن ترتقي أرواحنا، ترتقي الأسعار.
الطماطم تكتشف فجأة قيمتها الوجودية. الخيار يقرر أنه سلعة استراتيجية. زيت القلي يُسعَّر وكأنه مستخلص من شجرة نادرة تنمو في حديقة خلف الغيب.

تسأل التاجر:
— “ليش هيك الأسعار؟”
يرد بابتسامة فيها وقار ديني خفيف:
— “رمضان كريم.”

صحيح. كريم جدًا. خصوصًا على الفاتورة.

شهر الرحمة يتحول إلى موسم ضغط مالي، حيث تصبح “الحاجات الأساسية” أقرب إلى قائمة أمنيات، ويغدو الراتب كائنًا هشًا يحتاج دعاءً يوميًا.

بضائع من الماضي… بروح رمضانية

ومن عجائب الشهر الفضيل أن بعض السلع تقرر العودة من التقاعد.
علب بهت لونها، عبوات تحمل تواريخ صلاحية مكتوبة بخجل في زاوية صغيرة، كأنها تعتذر عن الوجود.
العرض مغرٍ، والسعر مشجّع، والمعدة لاحقًا تدخل في حوار حاد مع كائنات دقيقة لم تكن ضمن الخطة الرمضانية.

لكن لا بأس… فالمحل علّق فوانيس وزينة. وعلى ما يبدو، الزينة تمنح البضائع المنتهية الصلاحية شهادة حسن سلوك.

للأسف، الجهاز الهضمي لا يتأثر بالأجواء الإيمانية.

المائدة… عرض عسكري غذائي

في البيوت، يتحول المطبخ إلى خلية نحل تعاني من قلق اجتماعي.
لا أحد يريد مائدة “عادية”. التواضع في رمضان صار يُفهم خطأ على أنه تقصير.

شوربة، سلطات، مقبلات، طبق رئيسي، طبق احتياطي، حلوى “خفيفة” تزن نصف كيلو من السكر، ومشروب ملون لا يعرف أحد مكوناته لكنه أصبح من التراث.

نأكل قليلًا، ثم نميل إلى الخلف كأننا خرجنا من معركة.

يبقى الطعام ينظر إلينا بحزن من الصحون، قبل أن يبدأ رحلته الفلسفية نحو الثلاجة… ثم بعد أيام، نحو سلة المهملات.

في مكان آخر، عائلة مستورة تفطر على طبق بسيط، تشكر الله بصمت، بلا صور، بلا استعراض، بلا هدر.
هناك، القليل يكفي. هنا، الكثير لا يشبع.

الصدقة… مع تغطية إعلامية

الخير موجود، والحمد لله، لكننا أحيانًا نصرّ على توثيقه كما لو كان إنجازًا رياضيًا.
شخص يوزع وجبات، مشهد جميل فعلًا.
لكن قبل أن تمتد اليد بالطعام، تمتد الأخرى بالهاتف. الفقير يظهر من الخلف، والمتبرع من الأمام، بابتسامة تقول: “وثّقنا اللحظة الإنسانية”.

النية طيبة، نعم.
لكن الكرامة لا تحب أن تكون “محتوى”.

إفطار خمس نجوم… وفقرة فنية بعد الشوربة

ثم نصل إلى المشهد الأكثر شاعرية في عصرنا:

إفطار رمضاني فاخر في فندق خمس نجوم.

أضواء خافتة، طاولات لامعة، وبوفيه يمتد كأنه حدود دولة غنية. عشرات الأصناف، ألوان وروائح، حلويات مصطفة كأنها في عرض عسكري استعدادًا للهجوم على الشرايين.

وبينما يتنقل الناس بين الأطباق بحماس سياحي، تبدأ الموسيقى.
نعم، موسيقى.
وأحيانًا غناء.
وربما فقرة فنية خفيفة، لأن لا شيء يعبّر عن روح الصيام مثل طبق محشي بجانب مكبر صوت.

في تلك اللحظة، أتذكر عائلة تجلس في بيت بسيط، تفطر على ما تيسر، تدعو بصدق، وتبتسم بهدوء… دون إضاءة مسرحية، ودون فاصل غنائي بعد السلطة.

الفارق ليس في نوع الطعام، بل في معنى اللحظة.

البلاستيك… الضيف الدائم

ولا ننسى الأكواب والصحون البلاستيكية التي حضرت كل إفطار جماعي حتى صارت جزءًا من الهوية الرمضانية الحديثة.

نأكل نصف ساعة، ونخلّف نفايات تبقى عشرات السنين.
كأننا نقول للأرض: “تحمّلينا… نحن نمارس الروحانيات.”

رمضان الذي يُفترض أن يخفف تعلقنا بالدنيا، صار موسمًا رسميًا لزيادة استهلاكها ورمي بقاياها في حضن الطبيعة.

ثم نتساءل لماذا؟

بعد كل هذا، نقف مذهولين أمام واقعنا ونسأل:
لماذا تكثر الفوضى؟ لماذا يتقدم الانتهازيون؟ لماذا يتصدر المشهد من لا يستحق؟

ربما لأن الخلل لا يبدأ في العناوين الكبيرة، بل في التفاصيل الصغيرة.
حين يتحول شهر الرحمة إلى موسم استعراض،
وشهر الصدقة إلى مهرجان صور،
وشهر الزهد إلى سباق استهلاك…
لا يعود مستغربًا أن يختل الميزان خارج بيوتنا أيضًا.

لسنا ضحايا ظروف غامضة فقط، نحن — أحيانًا — شركاء في المشهد الذي نشكو منه.

لعلّ وعسى

ومع ذلك، يبقى رمضان فرصة تتكرر، لا لنغيّر العالم دفعة واحدة، بل لنبدأ بأنفسنا.

لعلّنا نقلّل صنفًا لنزيد معنى.
لعلّنا نطعم محتاجًا بصمت، لا بصورة.
لعلّنا نخفف ضجيج الشاشات لنسمع صوت قلوبنا.
لعلّنا نحافظ على النعمة، فلا نرميها، ولا نُهينها.

رمضان لا يحتاج أضواءً أكثر…
هو يريد قلوبًا أصفى.

فإن استطعنا أن نخرج منه بموائد أخف، ونفوس أهدأ، وأيادٍ أرحم…
فربما لا نقول في نهايته: “مرّ بسرعة”
بل نقول:
مرّ من هنا… وتركنا أفضل مما كنّا.

م. غسان جابر - قيادي في حركة المبادرة الوطنية الفلسطينية.



مواضيع متعلقة
اضف تعقيب

اسم المعلق : *
البلد :
البريد الالكتروني :
عنوان التعليق : *
التعليق الكامل :
تعقيبات الزوار
مواقع اخبار عبرية
مواقع اخبارية عربية
مواقع اقتصادية
مواقع رياضة
بنوك
راديو