
















اهلا-ناضل حسنين كلمة لا بد منها...
عشية النكبة، بلغ عدد سكان مدينة حيفا نحو 140 ألف نسمة، توزعوا بصورة شبه متوازنة بين العرب واليهود. فقد تراوح عدد السكان العرب في المدينة بين 70 و75 ألف نسمة، مقابل ما بين 65 و70 ألف يهودي.
هذا التوازن الديمغرافي انهار بالكامل بعد النكبة، إذ لم يتبق في المدينة سوى ما بين ثلاثة إلى أربعة آلاف عربي من سكانها الأصليين، فيما جرى تهجير الغالبية الساحقة من أهلها.
منذ ذلك الحين، شهدت حيفا مسارين ديمغرافيين متناقضين. فعدد السكان العرب، الذي كاد يختفي بعد النكبة، عاد لينمو تدريجيًا ليبلغ اليوم نحو 30 إلى 35 ألف نسمة، أي ما يقارب عشرة أضعاف عددهم مباشرة بعد عام 1948.
في المقابل، نما عدد السكان اليهود من نحو 70 ألفًا عشية النكبة إلى ما يقارب 250 ألف نسمة اليوم، أي بزيادة تعادل نحو ثلاثة أضعاف ونصف الضعف خلال الفترة نفسها.
هذه الأرقام تقود إلى استنتاج واضح: لو لم يتم تهجير السكان العرب من حيفا عام النكبة، وبقي نموهم الطبيعي على حاله، لكان عددهم اليوم يتجاوز نصف مليون نسمة على أقل تقدير، ولكانوا يشكلون أكثر من ثلثي سكان المدينة.
أستحضر هذه المعطيات في ضوء مقطع فيديو ظهر فيه موشيه فيغلين في ميدان شجرة الميلاد المقابل لحدائق البهائيين على شارع بيغن في المدينة، حيث تتجاور في مشهد واحد رموز الديانات الثلاث: الشمعدان اليهودي، والهلال الإسلامي، وشجرة الميلاد المسيحية. فيغلين احتج في الفيديو على ما اعتبره “عدم تناسب” حجم الرموز الإسلامية والمسيحية مع الشمعدان اليهودي، بزعم أن ذلك لا يعكس حجم الوجود اليهودي في المدينة منذ قيام الدولة.
ولتعزيز هذا الادعاء، استعان بسيدة حملت خريطة لمدينة حيفا وذهبت إلى القول إن الوجود العربي في الماضي كان رمزيًا، لا يتعدى تجمعًا صغيرًا أشبه بقرية تدعى "الحليصة"، التحقت بالمدينة لاحقًا مع توسع المدينة بعد قيام الدولة، مدعية أن عدد العرب لم يكن يذكر مقارنة بالوجود اليهودي الذي كان، بحسب روايتها، أكبر بعشرة أضعاف.
غير أن مراجعة بسيطة للأرقام التاريخية تكشف الفجوة الواسعة بين هذه السردية والواقع، وتظهر أن الوجود العربي في حيفا لم يكن هامشيًا ولا طارئًا، بل كان أساسيا قبل أن تعصف به النكبة وتعيد تشكيل المدينة قسرًا ديمغرافيًا وسياسيًا.
وختاما لهذه الملحوظة، كنت أتوقع أن يخرج علينا أحد العرب الحيفاويين الحريصين على نقل الحقيقة التاريخية حتى لا يتمكن آخرون من طمسها فقط لأن الميكرفون بحوزتهم ..!