X أغلق
X أغلق
الطقس
° - °
ترشيحا
° - °
معليا
° - °
بئر السبع
° - °
رام الله
° - °
عكا
° - °
يافا
° - °
القدس
° - °
حيفا
° - °
الناصرة
اسعار العملات
دولار امريكي
3.445
جنيه استرليني
4.1949
ين ياباني 100
2.5079
اليورو
3.6240
دولار استرالي
2.3021
دولار كندي
2.5184
كرون دينيماركي
0.4872
كرون نرويجي
0.3437
راوند افريقي
0.1994
كرون سويدي
0.3316
فرنك سويسري
3.6639
دينار اردني
4.8531
ليرة لبناني 10
0.0228
جنيه مصري
0.1398
اعلانات يد ثانية
تصفح مجلدات وكتب
الاستفتاء
مواقع صديقة

فقير أسود قاحط في القطار إلى هايدلبرج

admin - 2025-09-28 08:35:26
facebook_link

اهلا

الكبسولة السابعة والأربعون
فقير أسود قاحط في القطار إلى هايدلبرج
مهداة باسمي وباسم الصديق الأديب المرحوم محمّد نفّاع (أبو هشام) إلى نايجل فاراج (Nigel Farage)...
قبل سنتين كنّا، زوجتي وأنا، في القطار من فرانكفورت إلى هايدلبرج في ألمانيا.. وكان في القطار فقير أسود قاحط بغير سكن يُؤويه قد احتلّ نصف قاطرة له وحده. له ولدرّاجته وشوالاته وأكياسه وحمولته. كان شعره طويلًا كثًّا منفوشًا معقّدًا يضيف إلى سنّه عشر سنوات أو يزيد. كانت عليه حمولة ثقيلة من الملابس تصلح للعصر الجليديّ ونحن في عزّ الصيف. فكانت رائحته النتنة تقوّس الضبع، يصل مداها إلى مسافة ثلاث قاطرات بكاملها. تمدّد الفقير على صفٍّ طويل من الكراسي المتعاقبة، نام وغفا غفوة عميقة. لا يسمع همهمات الركّاب الواقفين واعتراضهم وتأفّفهم، ولا يرى تعابير وجوههم الرافضة وهي تتنقّل بين زمّ الشفتين وبحلقة العينين وقطب الحاجبين وبرمة الوجه... لا يرى ولا يسمع. كان الرجل لا يكترث بشيء من حوله حتى لو فقعت جنبه قنبلة.
الحقيقة أني شاركت أيضًا ببعض هذه الاحتجاجات المسموعة والمرئيّة في أوّل الأمر. ظللت طول الطريق أديم النظر إليه من بعيد، وأرقبه وأرقب موجات الاحتجاج المتعاقبة بشيء من المتعة المرتبكة. فتذكّرت الحديث الذي دار بيني وبين الصديق المرحوم محمّد نفّاع حول نظريّة "الاستعمار المضادّ" قبل سفري بأسابيع قليلة. فرأيتها تتمثّل أمامي بشرًا سويًّا بهيئة أقرع أسود من إفريقيا السوداء، في قلب ألمانيا البيضاء. كان نموذجًا ينتصر فيه الأسود على الأبيض، في عقر قطاره، انتصارًا كاسحًا على أربعة مستويات:
(1) لم يجرؤ أحد على أن يقرب منه أو يوقظه في عزّ نومه، فظلّ طول الرحلة كلّها ينعم بغفوة عميقة كاملة تشمل الهزّ. حتى الهزّ كان على حساب القطار! (2) وقد احتلّ الفقير الأسود نصف قاطرة والنصف الثاني ظل شاغرًا جعله مخزنًا خاصًّا لدرّاجته. وهكذا صار يملك شقّة كاملة نصفها غرفة نوم والنصف الثاني مخزن. (3) ثمّ لم يدفع أجرة القطار. لم يدفع لأنّ موظّفة القطار التي تفحص التذاكر لم تجرؤ على إيقاظه من عزّ نومه. وهي أصلًا لم تطق رائحته فهربت هروبًا واتّجهت نحوي وهي ترطن. (4) فأستطاع هذا الفقير الأسود الطيّب أن يُغضب كلّ أبيض متطيّب. يمرّ الألمانيّ الأبيض ويرى الأسود يحتلّ قطاره ويحرمه من متعة الجلوس ثمّ لا يدفع الأجرة فيجنّ جنونه. يكاد يفقع!
استفاقت أوروبا على موجات الهجرة من الشرق والجنوب التي بدأت تضغط بقوّة على عصب مركزيّ في الاتحاد الأوروبيّ. من الشرق يأتون إليها حفاةً عراةً غرْلًا على الأقدام، وعلى قوارب الموت من الجنوب يهاجرون إليها جياعًا عطشى.. عندما احتلّت أوروبا الشرق والجنوب وحرقت العباد والبلاد، وتركتها محروقة مخروقة، ماذا كانت تظنّ؟! أكان الأوروبيّون يفعلون ما يفعلون ثمّ لا يُحاسبون، ثمّ لا يرتدّ فعلهم إلى نحورهم في يوم مقداره ألف سنة؟!
عندما لملم الفقير الأسود أغراضه وأمتعته، إن جاز أن نسمّيها أمتعة من المتعة، لم يلوِ على أحد ولم يلتفت إلى شيء حوله وكـأنه في أرض مقطوعة. ندّت عنّي فجأة ضحكة حييّة. كان انتصار الأسود على الأبيض انتصار الصفر على العشرة، انتصارًا حلوًا بطعم المرارة، انتصارًا عذبًا بطعم النتانة، انتصار الجوعان القاحط على المعلوف المدسوم المدشوم.
كنّا قد وصلنا هايدلبرج، لملمتُ أغراضي وأمتعتي أنا أيضًا، لملمتها كلّها.. إلا الحاسوب بكلّ حمولته، تعب العمر، نسيته في القطار.. قالوا لي: هذه "إخطيّة" ذاك المشرّد الأسود. نلتَ عقابك لأنك شاركت ببعض التأفّف لبعض الوقت! قلت: وماذا سيكون عقاب من شرّدوه وسوّدوا عيشه إذًا؟!



مواضيع متعلقة
اضف تعقيب

اسم المعلق : *
البلد :
البريد الالكتروني :
عنوان التعليق : *
التعليق الكامل :
تعقيبات الزوار
مواقع اخبار عبرية
مواقع اخبارية عربية
مواقع اقتصادية
مواقع رياضة
بنوك
راديو