
















اهلا
الحكّام العرب في مواجهة شعوب العالم
أذهل الحكّام العرب العالم أجمع بانحدار غير مسبوق. كيف يمكن تفسير إقدام دولة عربية كبرى على عقد صفقات تجارية بعشرات المليارات مع نظام الإبادة؟ وكيف تُبرَّر مشاركتها في حصار قطاع غزّة؟...[هذه الدولة هي مصر السيسي]
عوض عبد الفتّاح
ليست أزمة العالم العربي وليدة اليوم. فالعجز، والانقسام، والتطبيع، وحتى التعاون مع الأعداء، ليست ممارسات طارئة، بل تعبير عن أزمة بنيوية ممتدة، جذورها منذ قرون طويلة، تعود إلى ما يزيد على ثمانية قرون.
ومع ذلك، يبقى غير مسبوق أن يشارك حكّام عرب، وطبقاتهم الحاكمة، في حرب إبادة تُنفّذها دولة استعمارية ضد شعب عربي، باتت من أكثر دول العالم توحشًا وكراهيةً وعزلة. وبات، بنظر كثيرين، أي وصف أقل من "الخيانة السافرة" لا يفي هذا الفجور السياسي حقّه.
وإن كان ثمّة من يتحفّظ على هذا التوصيف، فليتذكر أن الخيانة ليست حكرًا على العرب والمسلمين؛ فقد شهدت بعض دول أوروبا الحديثة سلوكيات مشابهة.
على سبيل المثال: حكومة فيشي الفرنسية، التي تعاونت مع الاحتلال النازي، لكن ذلك الاحتلال لم يتحوّل إلى إبادة. [والصهيونيون أيضا تعاونوا مع النازيين في إطار اتفاقية الهعفراه خلال ثلاثينات القرن الماضي].
أما اليوم، فقد أذهل الحكّام العرب العالم أجمع بانحدار غير مسبوق. كيف يمكن تفسير إقدام دولة عربية كبرى على عقد صفقات تجارية بعشرات المليارات مع نظام الإبادة؟ وكيف تُبرَّر مشاركتها في حصار قطاع غزّة؟ بهذه الدولة، كما اشرنا أعلاه، هي مصر، التي تتفاوض مع إسرائيل على شراء غاز منها بقيمة 63 مليار دولار (!). وهي الدولة التي "نسقت" إسرائيل معها كل خطوات احتلال غزه/ بما في ذلك معبر رفح، الذي لا يجوز لاسرائيل إدخال دبابات إلي دون موافقة مصر، وفقا لاتفاقية السلام المشؤومة بين البلدين]
وكيف تُفهَم خطوة إمارة صغيرة [هي إمارة أبو ظبي]، لا حدود لها مع فلسطين، بنقل الأسلحة إلى مطار عسكري إسرائيلي في ذروة المذبحة؟ بل كيف يُفسَّر فتح خطوط إمداد تجاري لإسرائيل [تمر عبر السعودية إلى الأردن] بديلة عن خطوطٍ معطّلة؟
نحن أمام مشهد سريالي عصيّ على الفهم.
[كاتب المقال نسي طرفا ثالثا، يمكن اعتباره شبه دولة، لا يقل في تخاذله عن الأنظمة المذكورة أعلاه، ونقصد به سلطة رام الله. هذا الكيان يتعاطى "التنسيق الأمني" مع الاحتلال، أي التجسس على المواطنين الفلسطينيين والوشاية به، وبالتالي الحفاظ على امن المستوطنين، وليس مواطنيه. وهذه السلطة وأركانها حتى لا يحتجون على أي من الجرائم، وما أكثرها، التي ترتكب بحق الفلسطينيين.
لست هنا بصدد إعادة استعراض الجذور التاريخية للأزمة البنيوية العربية؛ فقد قدّم مفكرون كثر تشريحًا وتحليلًا عميقًا، وطرحوا حلولًا، لكن شيئًا من ذلك لم يتحول إلى مشروع نهضوي يُطيح بالبُنى المتهالكة.
بل إن شرائح واسعة من المثقفين ساهمت في تكريس الأزمة، إما بانغلاقها داخل كيانات أيديولوجية عاجزة، أو بتحوّلها إلى أبواق للأنظمة، أو بإنتاج تنظيرات شعبوية سطحية ومعطِّلة للعقل.
مقارنة بين موقف شعوب العالم وموقف الأنظمة العربية
تجمع غالبية المثقفين والمحللين العرب، ومعهم شرائح واسعة من النخب العالمية، على أن الأنظمة العربية تتحمّل مسؤولية كبرى عن استمرار المجزرة. فلولا تواطؤها وصمتها، لما تمكّن التحالف الغربي ـ الصهيوني من المضيّ قدمًا.
حتى اللغة الدبلوماسية التي تصوغ بها بياناتها وتصريحاتها تنضح بالميوعة والتواطؤ.
وقد اطمأن نتنياهو منذ وقت مبكر إلى هذا الموقف؛ إذ حصل، كما كشفت صحيفة "يديعوت أحرونوت" مؤخرًا، على مئات الهدايا التي قدّمها حكّام ومسؤولون عرب لنتنياهو.
فبعضهم قدّم دعمًا فعليًا، وبعضهم تواطأ بالصمت، والبقية وقفوا عاجزين، لكنهم جميعًا اشتركوا في حظر المظاهرات الشعبية المؤيدة لغزّة.
بل بات واضحًا أن بعضهم يشارك نظام الإبادة الإسرائيلي إحباطه من العجز عن كسر الصمود الفلسطيني الأسطوري، رغم مرور عامين على حرب الإبادة، وأكثر من مئة عام من عمر الوجود الصهيوني في فلسطين.
هكذا جرى تعطيل دور الأمّة العربية بالكامل، في لحظة تاريخية تهزّ العالم وتهدّد بإعادة رسم خريطته.
هذا التواطؤ شجّع نتنياهو على المضيّ في مشروعه المرسوم أصلًا: إبادة غزّة، تصفية قضية فلسطين، ثم التوسع إقليميًا في إطار "إسرائيل الكبرى".
قبل الشروع في هذا التوسع، كان الحكّام العرب مرتاحين لتوجيه ضربة إلى حركة حماس، باعتبارها امتدادًا للإخوان المسلمين.
لكن بعد أن أعلن قادة إسرائيل عن خططهم الإمبريالية وبدأوا بضربات في سورية، ضاق بعض هؤلاء الحكّام ذرعًا بعنجهيّته، دون أن يجرؤوا على قطع علاقات أو اتخاذ إجراءات عقابية، كما فعلت دول غير عربية وغير إسلامية مثل كولومبيا وفنزويلا وإيرلندا.
وللتغطية على هذا الفجور، لجؤوا إلى مسرحيات هزيلة: إنزال مساعدات من الجوّ بموافقة إسرائيل، أو التلهّي في مؤتمرات "حلّ الدولتين"، في الوقت الذي تنفّذ فيه إسرائيل قتلًا جماعيًا يوميًا في غزّة، وجرائم يومية في الضفّة الغربية.
لكن هذا السلوك ليس طعنة للشعب الفلسطيني فحسب، بل أيضًا لشعوب العالم التي تنتفض ضد الإبادة وتنتصر للدم الفلسطيني.
فهذه الشعوب لا تدافع فقط عن فلسطين، بل عن إنسانيّتها، مدركة أن ما يجري جزء من إعادة تأهيل إسرائيل كركيزة أساسية في النظام الرأسمالي الإمبريالي العالمي الظالم، لتواصل دورها الوظيفي القذر، على حد تعبير المستشار الألماني.
..........................
*****"
الجرائم التي يرتكبها المطبعون العرب، بصمتهم على العدوان، لا تقل ضررا هن تلك التي يرتكبها الاحتلال.
يبدو لنا أن هناك حيثيات تدفع نحو تقديم قادة تلك الأنظمة، بتهمة السكون عن الجرائم، مع نتنياهو وصحبه.