
















اهلا
البقيعة _كفر كنّا
كانت اسيل تقف على شاطئ البحر، تتأمّل الغروب الذي ينساب ببطء نحو الأفق، تغمره ألوان البرتقالي والأحمر. في قلبها كان هناك تساؤل عميق وحيرة، لا تجد له جوابًا: هل الغروب يعانق البحر، أم أن البحر هو الذي يحتضن الغروب؟ كان هذا التّساؤل يختلط مع همسات الرّياح وأمواج البحر المتلاطمة، وكأنّه سرّ من أسرار ذلك اليم الكبير الذي أمامها.
أحست نفسها مثل شاطئ للبحر، مليء بصدف الذّكريات التي تحمل في طياتها فرحًا وألمًا. كانت دموع الفراق تملأ عينيّها كغروب الشّمس، تذرف دمعة الحزن بصمت، لكنّها لم تفقد الأمل. "كوني البحر، يا نفسي"، همست لنفسها، "ففي أعماقه قاع بصير يرى ما لا تراه العيون."
كانت تأتي إلى الشّاطئ كلّ مساء، تبحث في تلاقي الغروب مع البحر عن إجابة لهذا التّساؤل، تحاول أن تفهم كيف يحتضن كل منهما الآخر بهدوء وجمال رغم الفراق. كانت تشعر أنّ حياتها تشبه ذلك المشهد؛ ألم وحيرة، وجمال وسلام في آن واحد.
في إحدى تلك الأمسيات، بينما كانت تنظر إلى الأفق، لاحظت رجلاً مسنًا يجلس على صخرة قريبة، يراقب البحر بصمت. اقتربت منه، وتبادلا السّلام. تحدثا طويلًا عن البحر والغروب، وعن الحياة التي تشبه تلك اللحظات العابرة.
قال لها الرّجل: "الغروب والبحر ليسا خصمين، بل هما وجهان لذات واحدة. كلّ غروب يحمل وعدًا ببداية جديدة، والبحر يحتضن كل ما يمرّ به بصبر وحكمة. الإنسان كذلك، يحمل في داخله لحظات الفراق والأمل معًا. الحكمة تكمن في قبول هذا التوازن."
وتركت أحلامها تلملم واقعها بهمسة دافئة:
أهو غروب يعانق البحر...
أم بحرٌ يحضن الغروب؟
لكليهما في القلب سعة...
وسرٌ من أسرار هذا اليمّ الكبير.
شاطئ للبحر أنا بصدف الذكريات ملئ،
وغروب للشّمس أنا... بدمعة الفراق غزير.
كوني البحر... يا نفسي...
فله قاع في القاع بصير.