















اهلا عرابة البطوف
أيار/مايو, 2025
يحتفل العالم، وفي مقدمته روسيا، بالذكرى الثمانين للانتصار على النازية في التاسع من أيار هذه السنة، حيث إنه في مثل هذا اليوم كان قد رفع أحد جنود الجيش الأحمر السوفياتي العلم الأحمر على بناية الرايخستاغ، أي البرلمان الألماني في برلين، وكان بهذا عمليًا إعلان الانتصار على ألمانيا النازية. لقد كان هذا التحول الهام في تاريخ الحرب العالمية الثانية بعد الانتصار التاريخي للجيش الأحمر السوفياتي في معركة ستالين غراد على الجيش الألماني، حيث بدأ هذا الجيش يتقهقر، وفي الوقت نفسه يلاحقه الجيش الأحمر السوفياتي باتجاه ألمانيا، ومن خلال ملاحقته للجيش الألماني، كان الجيش الأحمر السوفياتي يحرر الدول الأوروبية التي كان يمر منها، وبذلك كان قد حرر أكثرية الدول في شرق أوروبا ووسطها.
إن الحقيقة التاريخية التي لا يمكن نكرانها أن للجيش الأحمر السوفياتي كان الدور الحاسم في الانتصار على النازية في تلك المرحلة، حيث كلّفت هذه الحرب الإجرامية الشعب السوفياتي ما يقارب السبعة وعشرين مليونًا من الضحايا، وعمليًا كان الشعب السوفياتي قد دفع ثمنًا باهظًا من أجل تحقيق هذا الانتصار التاريخي، وكان ذلك أكثر من نصف عدد الضحايا الذين تكبّدهم العالم في هذه الحرب، والذين بلغوا أكثر من خمسين مليون إنسان قضوا في الحرب الإجرامية التي أشعلتها ألمانيا النازية وحلفاؤها.
ليس صدفة أن تضع دولة روسيا الاتحادية برنامجًا واسعًا لإحياء هذه الذكرى التاريخية الهامة، بمناسبة الذكرى الثمانين للانتصار على النازية، خاصة وأنها سميت بالحرب الوطنية العظمى، لأن الشعب الروسي كان قد دفع ثمنًا كبيرًا من خيرة أبنائه من أجل تحقيق مثل هذا الانتصار الهام في تاريخ البشرية جمعاء.
أمام هذه الحقائق التاريخية، يأتي ترامب أمريكا ويحاول تزييف التاريخ، ولكن كان رد مدفيديف عليه مفحمًا، ومن خلال معرفتي المتواضعة، إن هناك تزييفات كثيرة في التاريخ، ولكن بالنسبة لهذه المرحلة التاريخية بالذات، من الصعب على كل المزيفين أن يزيّفوا هذا التاريخ البطولي الذي اجترحه الجيش الأحمر السوفياتي والشعب السوفياتي، الذي كان من ضمنه الشعب الروسي العظيم وقيادته التاريخية في تلك المرحلة الحاسمة في التاريخ الإنساني.
من خلال كل هذه الوقائع التاريخية، إن الذي له الحق الأخلاقي والإنساني الثابت في الدعوة على المستوى العالمي لإحياء مثل هذه الذكرى هي في الواقع حكومة وشعب جمهورية روسيا الاتحادية، وليس غيرها من الدول، حيث إن قسمًا كبيرًا من هذه الدول يتجه أكثر فأكثر نحو الفاشية.
في ظل هذه الاحتفالات التي تجري بمناسبة الذكرى الثمانين للانتصار على النازية والفاشية، من واجب العالم والقيمين على هذه الاحتفالات أن لا ينسوا ما يجري في غزة من قتل وتدمير الأخضر واليابس، وحرب الإبادة منذ أكثر من سنة ونصف ضد شعب بأكمله، الشعب العربي الفلسطيني، والذي كل ذنبه أنه يرفض استمرار الاحتلال الإسرائيلي لأرضه ووطنه، ويطالب بحقه في الاستقلال وإقامة دولته المستقلة كباقي شعوب هذه الأرض.
إن هذه الحرب الإجرامية المستمرة ضد الشعب العربي الفلسطيني قد حصدت من الأرواح البريئة أكثر من سبعين ألفًا، وأكثر من مائة وخمسين ألف جريح.
إن حكام إسرائيل لا يكتفون بهذه الدماء التي سالت من كلا شعبي هذه البلاد، وهم مستمرون في حرب الإبادة هذه، ويريدون الاستمرار في سفك الدماء في فلسطين ولبنان وسوريا واليمن، وكذلك سفك دماء أبناء شعبهم، بالرغم من أن الجماهير في إسرائيل، بأكثريتها، تطالب بوقف الحرب، ولكن هذه الحكومة مستمرة في عدوانها على الشعب الفلسطيني، وعلى لبنان وسوريا، تحت ذرائع واهية لا تمت إلى الحقائق بصلة، ومثل ما بقول المثل العربي: "لا ناهر ولا ناهرة ولا مين يرد العاهرة".
إن الطريق الوحيد إلى السلام في هذه المنطقة من العالم هو بالاعتراف بحق الشعب الفلسطيني في إقامة دولته الفلسطينية المستقلة، والانسحاب الكامل من جميع الأراضي العربية المحتلة، ولا طريق آخر غير هذا الطريق الذي يمكن أن يجلب السلام لكل شعوب هذه المنطقة.