
















اهلا المشتركة هي الرقم الصعب لا كمّالة العدد
بقلم: توفيق نجّار
يفرز الانقسام العميق بين المعسكرات السياسيّة في هذه الانتخابات واقعاً لا سبيل للالتفاف عليه؛ فصارت المشتركة قوّةً حاسمة، في تحديد وجهة المرحلة المقبلة. أمام هذا الواقع الفارق، تجد القائمة المشتركة نفسها أمام دربٍ من اثنين: إمّا أن تكون "كمّالة عدد" تمنح تأشيرة لكلّ صيغة يخلص إليها اجتماع رؤساء قوائم المعارضة في بيت يائير لبيد دون إشراكها ولا إشراك القائمة الموحّدة؛ وإمّا أن تكون "الرقم الصعب" الذي يسقط حكومة نتنياهو-بن جفير-سموطريتش من جهة ويشقّ تابو احتكار القرار بيد القوائم اليهوديّة الصرف فارضا شروطه على الحكومة البديلة القادمة . هنا اختارت القائمة المشتركة أن تشكّل الرقم الصعب.
كيف ستشكّل المشتركة الرقم الصعب؟
تميّز القائمة المشتركة بين ثلاث دوائر من الشروط والمطالب: أوّلاً، ما تتّفق حوله مع كامل قوى معسكر التغيير، أي المعارضة الحاليّة، كتغيير رئيس الكنيست، وعزل الحكومة الفاشيّة، والاتّفاق المبدئيّ على مكافحة العنف والجريمة. وأقول "المبدئيّ" هنا لأنّ القضاء على هذه الآفة مقرون بخطّة اقتصاديّة مركّبة وضخمة، تُقدَّر كلفتها بعشرات المليارات، وتحتّم تعاوناً بين وزارات عدّة، وبين الوزارات والحكم المحليّ، وتخضع لرقابة برلمانيّة صارمة. وعليه، فإنّ تحويل هذا الاتّفاق المبدئيّ إلى خطّة مُقرّة ومموّلة وقابلة للتنفيذ سيحتاج إلى ضغط متواصل من القائمة المشتركة. ثانياً، ما تتّفق حوله مع جزء من معسكر التغيير، كتعطيل قانون كامينتس أو تعديله جذريّاً لوقف أوامر الهدم، وإنهاء الحرب والتوجّه إلى مفاوضات لتحقيق السلام الشامل وفق القرارات الأمميّة. حول هذين المطلبين، تتّفق المشتركة مع القائمة العربيّة الموحّدة وقائمة "الديمقراطيون"، كما تتّفق مبدئيّاً مع قوى المركز، على الرغم من أنّ الأخيرة لا ترى فيهما أولويّة عاجلة؛ فلا تضعهما في مقدّمة سلّم أولويّاتها، ولن تفعل ما لم تتوافر أغلبيّة يهوديّة مؤيّدة. أمّا الدائرة الثالثة، فتشمل المطالب التي لا يوجد حول مضمونها الكامل اتّفاق مع أيّ طرف، وفي مقدّمتها الاعتراف الكامل بحقوقنا القوميّة. نتمسّك بها، مدركين أنّ سقف الكنيست محكوم بطيف سياسيّ أضيق من أن يتّسع لها؛ فالالتقاء مع بعض الأطراف حول مبدأ المساواة المدنيّة لا يعني بحدّ ذاته الاتّفاق على مضمون قانون المساواة الذي نطالب به، ولا على الاعتراف الكامل بحقوقنا المدنيّة والقوميّة.
عليه، ستباشر القائمة المشتركة، فور انتهاء الانتخابات ومن اليوم الأوّل، العمل على تغيير رئيس الكنيست، بدعم مرشّح المعارضة، ثمّ على ضمان تمثيل مؤثّر في لجان الكنيست المركزيّة، وفي مقدّمتها لجنة الماليّة. وستتفاوض بندّيّة مع قوى معسكر التغيير، التي لن تتمكّن من تشكيل حكومة من دون تأشيرة القائمة المشتركة: أوّلاً، لضمان الالتزام الفعليّ بكامل الشروط التي يوجد حولها اتّفاق مبدئيّ، وفي مقدّمتها الخطّة الشاملة لمعالجة مجمل الآفات التي يعاني منها المجتمع العربيّ. وثانياً، لوضع قوى اليمين في الزاوية، من خلال بناء تفاهمات عينيّة وعميقة مع قوى اليسار، تتيح تشكيل جسم برلمانيّ يكون الأكبر داخل المعسكر، ليتصدّى لمحاولات ليبرمان وبينيت فرض وجهتهما على الحكومة المقبلة.
هذا هو المنطق السليم الكامن في طرح المشتركة لشبكة أمان برلمانيّة. وهذه هي الدرب السياسيّة الأحكم: تعزل اليمين الفاشيّ، وتؤمّن حقوق المجتمع العربيّ، ولا تسمح لأقلّيّة يمينيّة داخل معسكر التغيير بالتحكّم في سياسات الحكومة. فالمشتركة لا ينتهي دورها عند تشكيل الحكومة، بل تواصل الضغط عليها ومحاسبتها حتّى انتهاء الدورة البرلمانيّة.
أي أنّ المشتركة ترفع البطاقة الصفراء أوّلاً في وجه رؤساء القوائم الأربعة الذين يجتمعون وحدهم في بيت يائير لبيد في شمال تل أبيب، وتقول لهم: إيّاكم أن تقرّروا وحدكم! بل تشقّ صفّهم بندّيّة الواثق بنفسه وبعدالة قضيّته واتّزان طرحه الديمقراطيّ العادل، الإنسانيّ والأمميّ؛ طرح كلّما تحقّق منه شيء، عاد على شعبَي هذه البلاد بمزيد من الأمن والسلم والازدهار.
ألا يساهم العامل العربيّ والعاملة العربيّة في المعامل وورش العمل، كما يساهم العامل اليهوديّ والعاملة اليهوديّة؟ ألا يعالج الطبيب العربيّ والطبيبة العربيّة المرضى في صناديق المرضى والمستشفيات، إلى جانب الطبيب اليهوديّ والطبيبة اليهوديّة؟ ألا يستند العلم إلى أبحاث البروفيسور العربيّ ونظريّاته بالقدر نفسه الذي يستند فيه إلى أبحاث البروفيسور اليهوديّ ونظريّاته؟
قولوا لي: ألا تستند إدارة الأموال إلى تقرير المحاسِبة العربيّة بالقدر نفسه الذي تستند فيه إلى تقرير المحاسِبة اليهوديّة؟ قولوا لي! هل يجتمع الطاقم الطبيّ، أو ينعقد المؤتمر العلميّ، أو تلتئم اللجنة الماليّة، بحضور اليهود وحدهم، مع الإصرار على عدم دعوة العرب؟
في كتابه "اعتبارات في الحكم النيابيّ" الصادر عام 1861، ناقش جون ستيوارت مِل فكرة "المستبدّ الصالح"، الذي يُحسن تدبير شؤون الناس فيما يبقى القرار كلّه بيده. ورأى أنّ صلاح الحاكم لا يعوّض غياب المشاركة؛ فيظلّ الناس خاضعين لإرادة غيرهم، وتبقى مراعاة مصالحهم رهناً بيد من يقرّر عنهم. وفي دفاعه عن المشاركة في الحكم، صوّر حال الفئات المُقصاة مشبّهاً إيّاهم بذلك الذي "يُضطرّ إلى التوسّل إلى من يتحكّم بمصيره من خارج الباب، دون أن يُستشار". هنا أسأل: لماذا، إذاً، لا يُدعى أيّ طرف عربيّ إلى اجتماعات رؤساء قوائم المعارضة في بيت يائير لبيد؟
هل العنصريّة في السياسة مسموحة؟ أم أنّ ما يرفضه المنطق الإنسانيّ السويّ في الطبّ والعلم والاقتصاد يصبح مقبولاً حين نصل إلى السياسة الإسرائيليّة الخاضعة لهيمنة العنصريّة اليمينيّة المتطرّفة؟!
ستظلّ هذه السياسة أسيرة عنصريّتها ما لم يُكسر تابو الشراكة السياسيّة المتكافئة مع العرب، ويُعترف بحقّهم في المشاركة في صنع القرار. فحقّنا في هذه الشراكة حقّ أصيل، يستند إلى المساواة الكاملة في الحقوق والمواطنة.
إنّ الماضي القريب يؤكّد هشاشة الشراكة غير المتكافئة والتي تسقط عند أوّل مفترق الطرق! أتذكرون عضوَي حزب بينيت، رئيس حكومة "التغيير"، عيديت سيلمان إيّاها ونير أورباخ، حين انسحبا من الائتلاف، وأعادا اليمين الفاشيّ؟ إن أنسَ، فلا أنسى رفض يائير لبيد يومها عرض أحمد الطيبي منح حكومة بينيت–لبيد شبكة أمان، قائلاً إنّ بينيت لن يقبلها، مصرّاً على البحث عن غالبيّة يهوديّة، ومنكفئاً في المعادلة الصهيونيّة، وراسباً فيها أمام اليمين الفاشيّ.
في رسالته إلى موريس توريز، الأمين العام للحزب الشيوعيّ الفرنسيّ، عام 1956، أعلن الشاعر والمفكّر المارتينيكي إيمي سيزير استقالته من الحزب، منتقداً استمرار منطق الوصاية على الشعوب المستعمَرة داخل قوى تعلن التضامن مع تحرّرها. كان يعترض على أن يفكّر الحلفاء الأوروبيّون نيابةً عن هذه الشعوب، ويحدّدوا لها أهدافها وطريقها، فيما يُطلَب منها أن تتبعهم. ومن هذا الموقع، دافع عن حقّها في المبادرة واستقلال القرار، موضّحاً أنّ الأمر "ليس رغبةً في النضال المنفرد ولا ازدراءً لكلّ تحالف؛ إنّما هو رغبةٌ في ألّا نخلط بين التحالف والتبعيّة". هنا بالضبط، تكمن أهميّة التفاهمات البرلمانيّة المسبقة والشروط الملزمة، بما تمنحه للشراكة من مضمون عمليّ، حيث تربط دعم الحكومة بالتزامات واضحة، مع احتفاظ المشتركة بقرارها المستقلّ وقدرتها على الضغط والمحاسبة، وبناء وزن برلمانيّ مشترك يحدّ من قدرة اليمين على احتكار القرار.
في خاتمة مسرحيّته "صعود أرتورو أوي الذي يمكن وقفه"، التي أضافها بعد انتهاء الحرب التي أنهك التطرّف بها أوروبا، حذّر برتولت بريخت من أنّ هزيمة الطاغية لا تكفي ما دام الرحم الذي زحف منه خصباً. ما لم نكسر تابو الإجماع الصهيونيّ، بواسطة تشييد شراكات عربيّة–يهوديّة متكافئة، لن نغلب الفاشيّة. هنا يكمن تميّز الطرح الذي تأتي به القائمة المشتركة، إذ لا تكتفي بإسقاط الحكومة الفاشيّة، بل تسقط المعادلة التي ولّدت الفاشيّة، والتي ما لم تسقط، سوف تتيح عودتها عاجلاً أم آجلاً.. بعد شهر أو شهرين أو بعد عام أو عامين.
هذا هو الدرب الذي اختارته القائمة المشتركة؛ أن تكون الرقم الصعب لا كمّالة العدد، وهذا هو طرح القائمة المشتركة: إسقاط الفاشيّة، وإسقاط السياسة التي تنتج الفاشيّة.