
















اهلا عندما نستثير مشاعر الأطفال في الروضة: هل نحقق هدفًا تربويًا أم نصنع لحظة عاطفية؟
بقلم: لينا بلال أبو حسان سويطات
قراءة نفسية وتربوية في نشاط " الاستماع إلى رسائل صوتية مسجّلة مسبقًا من الوالدين، تُرسل إلى الحاضنة أو المربّية، وتُعرض على الأطفال خلال ساعات وجودهم في الحضانة أو الروضة".
تنتشر في بعض الحضانات ورياض الأطفال أنشطة تقوم على تسجيل رسائل صوتية من الأمهات أو الآباء لأطفالهم، تتضمن كلمات الحب والاشتياق والفخر، ثم إسماعها للأطفال خلال اليوم الدراسي، بينما يكون الوالدان غائبين.
نشاهد الأطفال وهم يصغون إلى الأصوات المألوفة، بعضهم يبتسم، وبعضهم يتأثر، وآخرون تنهمر دموعهم أو يبدأون بالبكاء شوقًا إلى أمهاتهم وآبائهم.
قد تبدو هذه المشاهد جميلة ومؤثرة من وجهة نظر الكبار، وقد يراها البعض فرصة لتعزيز العلاقات العائلية أو التعبير عن المحبة. لكن من منظور علم النفس النمائي والتربوي، تبرز مجموعة من الأسئلة التي تستحق التأمل.
ما الهدف الحقيقي من هذا النشاط؟ لماذا نختار استثارة مشاعر الطفل في منتصف يومه الدراسي؟ وما الخبرة النفسية أو المهارة الانفعالية التي نريد أن يكتسبها من هذه التجربة؟
أولًا: هل يحتاج الطفل إلى سماع صوت والديه خلال يوم الروضة؟
يشكّل الوالدان أو مقدمو الرعاية الأساسيون مصدرًا مهمًا للأمان العاطفي لدى الطفل، خاصة في سنوات الطفولة المبكرة. وتؤدي العلاقة الآمنة معهما دورًا أساسيًا في دعم الاستكشاف والاستقلالية والقدرة التدريجية على تنظيم المشاعر.
ومن المهم أن نميّز بين حاجتين مختلفتين: حاجة الطفل إلى الشعور باستمرار محبة والديه ووجودهما النفسي في حياته، وحاجته إلى التواصل المباشر معهما في كل لحظة من يومه.
فالطفل الذي يشعر بالأمان لا يحتاج بالضرورة إلى سماع صوت أمه باستمرار حتى يحتفظ بإحساسه بمحبتها وقربها العاطفي.
ومن الأهداف النمائية المهمة في مرحلة الروضة أن يتعلم الطفل تدريجيًا الانفصال الآمن عن والديه، وأن يطوّر علاقات موثوقة مع المربيات والأقران، ويشارك في أنشطة اللعب والتعلم والاستكشاف.
وهنا يظهر السؤال: إذا كان الطفل قد انفصل عن والديه بهدوء، واندمج في اللعب والتعلم، فما الحاجة التربوية إلى استحضار مشاعر الشوق مجددًا من خلال رسالة صوتية عاطفية؟
قد تكون هناك أسباب مبررة، مثل طمأنة طفل يواجه صعوبة في التكيف، أو توفير وسيلة تواصل لطفل يفتقد أحد والديه لفترة طويلة. لكن وجود هذه الحالات لا يعني بالضرورة أن النشاط مناسب لكل الأطفال أو أنه يحقق الهدف نفسه لديهم جميعًا.
ثانيًا: ماذا يحدث عندما يسمع الطفل صوت أمه وهي غائبة؟
وفقًا لنظرية التعلّق، قد تُنشّط الإشارات المرتبطة بالوالدين حاجة الطفل إلى القرب والتواصل، خصوصًا عندما يكون في موقف يشعر فيه بعدم الأمان أو الاشتياق.
وقد أظهرت دراسات متعددة أن الانفصال عن الأم خلال الانتقال إلى الحضانة ارتبط بارتفاع مؤشرات التوتر الفسيولوجي وبعض مظاهر الضيق والبكاء لدى الأطفال الصغار.
لا تعني هذه النتائج أن سماع صوت الأم يسبب التوتر، لكنها تؤكد أهمية فهم حساسية خبرات الانفصال في الطفولة المبكرة.
وفي المقابل، أظهرت دراسة اخرى أن سماع صوت الأم أثناء التواصل معها يمكن أن يسهم في تخفيف الاستجابة الفسيولوجية للتوتر لدى فتيات بعمر 7 إلى 12 عامًا.
وهذا التباين مهم؛ لأن صوت الأم ليس مثيرًا سلبيًا بطبيعته، بل قد يكون مصدرًا للطمأنينة والدعم.
إذن، السؤال ليس: هل سماع صوت الأم مفيد أم ضار؟ بل: متى يحتاج الطفل إلى سماعه؟ وكيف يُقدَّم؟ وما الحالة الانفعالية التي يتركه فيها؟
فهناك فرق بين أن نستخدم صوت الأم لطمأنة طفل يشعر بالضيق، وبين أن نستحضر صوتها بطريقة عاطفية مكثفة لدى طفل كان يلعب بهدوء، بهدف إثارة اشتياقه واستجابته الانفعالية.
ثالثًا: هل استثارة المشاعر تعني تنمية الذكاء العاطفي؟
من الأهداف المهمة للتربية العاطفية مساعدة الطفل على التعرف إلى مشاعره، وتسميتها، والتعبير عنها بصورة ملائمة، وتطوير قدرته التدريجية على تنظيمها.
لكن هذه الأهداف لا تتحقق بمجرد استثارة المشاعر.
فالبكاء، في حد ذاته، ليس مهارة في التنظيم الانفعالي. والاشتياق ليس دليلًا على اكتساب فهم أعمق للمشاعر. كما أن الاستجابة الانفعالية الشديدة لا تعني بالضرورة أن الطفل مرّ بخبرة نفسية بناءة.
إذا أردنا أن يكون النشاط وسيلة لتنمية الوعي العاطفي، فلا بد أن نسأل: هل ساعدنا الطفل على فهم شعوره؟ هل أتحنا له التعبير عنه بطريقته الخاصة؟ هل استطعنا احتواء استجابته؟ وهل ساعدناه على العودة إلى حالة من الأمان والاتزان؟
وهنا يكمن الفرق بين إتاحة الفرصة للتعبير عن المشاعر الطبيعية وبين استثارتها بصورة مقصودة.
ليس المطلوب تجنيب الأطفال جميع مشاعر الحزن أو الاشتياق، فهذه المشاعر جزء طبيعي من الحياة. لكن ليس من الضروري أيضًا خلق موقف يثير ضيقًا انفعاليًا كي نعلّم الطفل كيفية التعامل معه.
يمكن تنمية الوعي العاطفي من خلال القصص واللعب والحوار والتفاعل اليومي، ومن خلال الاحتواء الحساس للمشاعر عندما تظهر بصورة تلقائية.
رابعًا: هل يمكن أن يكون النشاط مفيدًا لبعض الأطفال وغير ملائم لآخرين؟
لا يستجيب الأطفال للمواقف العاطفية بالطريقة نفسها.
فقد يستمع طفل إلى رسالة والدته ويشعر بالسعادة والطمأنينة، بينما يستمع طفل آخر إلى الرسالة نفسها ويشعر بالاشتياق الشديد أو يرغب في العودة إلى المنزل.
وتتأثر هذه الاستجابات بعوامل متعددة، منها العمر، والمرحلة النمائية، والخبرات السابقة مع الانفصال، والعلاقات الأسرية، والحالة الانفعالية للطفل، وطريقة تقديم النشاط.
وفي دراسة اخرى وجد الباحثون أن التواصل المرئي مع الوالدين أثناء انفصال قصير ارتبط لدى الأطفال الصغار بارتياح ولعب وانفعالات إيجابية أكثر مقارنة بالتواصل الصوتي وحده.
ولا يمكن تعميم هذه النتائج على الرسائل المسجلة مسبقًا، لكنها تذكّرنا بأن وسيلة التواصل وسياقه قد يؤثران في تجربة الطفل. ولذلك، ينبغي ألا نفترض أن نشاطًا جماعيًا واحدًا سيحقق الفائدة النفسية نفسها لجميع الأطفال.
خامسًا: عندما يصبح التأثر العاطفي مقياسًا لنجاح النشاط
في بعض الأنشطة، يبدو وكأن اللحظة الأكثر تأثيرًا هي اللحظة التي يبدأ فيها الطفل بالبكاء.
لكن ماذا لو لم يبكِ الطفل؟ هل يعني ذلك أنه أقل محبة لوالديه؟ أو أن النشاط لم ينجح معه؟
بالطبع لا.
إن شدة الاستجابة الانفعالية لا تعكس بالضرورة جودة العلاقة بين الطفل ووالديه، ولا تصلح وحدها مؤشرًا على نجاح نشاط تربوي.
وقد أظهرت نتائج لدراسة علمية أن الأطفال ذوي التعلّق الآمن أظهروا في إحدى مراحل الدراسة بكاءً وضيقًا أكبر أثناء الانفصال مقارنة بغير الآمنين. وهذا يوضح لماذا لا يجوز تفسير البكاء بصورة مبسطة أو استخدامه مقياسًا لجودة العلاقة العاطفية.
ومن هنا، فإن تحويل الدموع إلى مؤشر لنجاح النشاط يُعد تبسيطًا غير دقيق للتجربة النفسية المعقدة التي يعيشها الطفل.
سادسًا: عندما تتحول مشاعر الأطفال إلى محتوى على وسائل التواصل الاجتماعي
تزداد أهمية التساؤلات الأخلاقية عندما تُصوَّر استجابات الأطفال وتُنشر على وسائل التواصل الاجتماعي.
قد يتم التصوير بهدف توثيق النشاط ومشاركته مع الأهالي، لكن استخدام المشاهد العاطفية المؤثرة لجذب المشاهدات والإعجابات يطرح إشكالية مختلفة.
فهل نختار الأنشطة بناءً على احتياجات الأطفال، أم بناءً على قدرتها على إنتاج مشاهد مؤثرة؟
وهل كنا سننفّذ النشاط بالطريقة نفسها لو لم تكن هناك كاميرا؟
إن الطفل في مرحلة الروضة لا يمتلك بالضرورة القدرة النمائية على فهم تبعات نشر لحظاته الشخصية والانفعالية عبر الإنترنت.
لذلك، لا ينبغي التعامل مع بكاء الطفل بوصفه مشهدًا يُستخدم لإثارة إعجاب الجمهور، وإنما بوصفه تعبيرًا انفعاليًا يستحق الاحترام والاحتواء.
سابعًا: كيف يمكن تحقيق الهدف التربوي بصورة أكثر ملاءمة؟
إذا كان الهدف تعزيز المحبة والانتماء، فيمكن أن نمنح الطفل فرصة للحديث عن أسرته، أو مشاركة صورة عائلية، أو وصف نشاط يحبه مع والديه.
وإذا كان الهدف تنمية التعبير العاطفي، فيمكن استخدام القصص واللعب والرسومات لمساعدة الأطفال على التعرف إلى مشاعر المحبة والاشتياق والفرح والحزن.
أما إذا كان الهدف توفير الطمأنينة لطفل يعاني من صعوبة في الانفصال، فقد تكون الرسالة الصوتية القصيرة إحدى وسائل الدعم الممكنة، بحسب احتياجاته واستجابته.
وفي هذه الحالة، تكون الرسالة موجهة إلى تعزيز الأمان، لا إلى تعميق شعور الشوق.
والأهم أن يمتلك النشاط هدفًا واضحًا يمكن تقييمه من خلال خبرة الطفل ومشاركته وتعلمه، وليس من خلال شدة استجابته العاطفية.
أخيرًا: ما الذي نريد أن يتعلمه الطفل؟
إن تعزيز العلاقة العاطفية بين الطفل ووالديه هدف نفسي وتربوي مهم، لكن تحقيقه لا يتطلب بالضرورة استثارة مشاعر الشوق أو البكاء بصورة مقصودة.
ومن المهم ألا نخلط بين التأثير العاطفي اللحظي وبين التعلم الانفعالي الحقيقي.
قبل تنفيذ نشاط من هذا النوع، علينا أن نسأل أنفسنا:
ما الحاجة النمائية التي يلبيها هذا النشاط؟ ما المهارة التي نريد أن يكتسبها الطفل؟ وكيف سنعرف أنه استفاد منه؟ وهل توجد طريقة أخرى تحقق الهدف نفسه دون استثارة ضيق غير ضروري؟
فليست كل تجربة مؤثرة تجربة تربوية مفيدة، وليست كل دمعة دليلًا على نجاح النشاط.
والسؤال الأهم ليس كم طفلًا بكى عندما سمع صوت أمه، بل ماذا أضافت هذه التجربة إلى شعوره بالأمان وقدرته على فهم مشاعره وتنظيمها.
إن التربية العاطفية لا تقوم على صناعة المشاعر من أجل مشاهدتها، بل على مرافقة الطفل في فهم مشاعره، واحترامها، وتنظيمها داخل علاقة آمنة وداعمة.