
















اهلا الساعة التي لم تنقضِ
في السادسة وتسع وعشرين دقيقة، صار هاتفي خريطةً حمراء.
كانت أسماء البلدات تتدافع على الشاشة. إنذار يلحق بإنذار، وصواريخ من غزة نحو جنوب إسرائيل ووسطها. أعرف هذه التنبيهات، وأعرف كيف يبدأ الخبر منها. لكنني، ذلك الصباح، لم أكن ألحق بقراءتها. كان الأحمر يسبقني.
في المداخلة الأولى ، خلال دقائق،قلت: حرب جديدة.
خرجت الكلمتان قبل أن أعرف حجم ما تحملانه. أكثر من ثلاثة عقود في تغطية الحروب لم تكن كافية لفهم ما حدث وما سيحدث هذه المرة. ثم ظهرت فيديوهات اقتحام المستوطنات، وأخذت العبارة تضيق أمام الصور. الحدود تُخترق، والمسلحون في الداخل، وما قيل لسنوات عن الردع والسيطرة ومعرفة ما يجري في غزة يتداعى في دقائق.
اتجهنا سريعًا نحو حدود القطاع. كان الجميع يخرج شمالًا، ونحن نمضي إلى الجهة التي يغادرونها. ما زلت أذكر ذلك الاتجاه المعاكس. السيارات المغادرة كانت تقول شيئًا لم تكن المعلومات المتاحة قد استطاعت قوله كاملًا بعد.
وصلنا إلى محيط قاعدة زيكيم. قوات خاصة تظهر وتختفي، واشتباكات مسلحة، أحدها قريب منا. و الاشتباكات داخل المستوطنات والتفجيرات ستستمر أيامًا طويلة. هناك يصعب ترتيب المشهد. تتابع حركة الجنود، وتصغي إلى الرصاص، وتحاول أن تفهم أين تقف وماذا تستطيع أن تقول للمشاهد الذي ينتظر منك تفسيرًا، فتمرّ دبابة من خلفك، وصلت متأخرة، فيما أنت تجمع الصورة جزءًا جزءًا.
كان حجم الإخفاق يتكشف أمامنا. السياج، وأجهزة المراقبة، والاستخبارات، والقوة العسكرية، لم تمنع الاقتحام. كلما ظهرت معلومة جديدة، اتسعت المسافة بين صورة إسرائيل عن قدرتها على الحماية وما حدث فعلًا.
منذ الساعات الأولى قلت إن نتائج ما حدث ظهرت في يومه الأول، وإن القيادة الأمنية والسياسية ستدفع الثمن. لم أكن أعرف إلى أين ستصل الحرب، لكن الإخفاق كان أكبر من أن يُطوى بانتهاء الاشتباكات. من عرف؟ من تجاهل؟ وكيف تحوّل الاطمئنان إلى اكبر اخفاق منذ قامت اسرائيل ؟
مضت السنوات. تبدّلت وجوه في القيادة الأمنية والعسكرية، وغادر مسؤولون مواقعهم. أما القيادة السياسية، فما زال اختبارها عند صندوق الاقتراع. وقد يصل الناخب إلى ذلك الصندوق مثقلًا بذاكرة السابع من أكتوبر، أو خائفًا مما يُقال له إنه مقبل. بين الذاكرة والخوف، يحاول نتنياهو أن يجد طريقه إلى ولاية أخرى.
لهذا تزدحم خطبه بالتهديدات والإنجازات العسكرية. يريد أن يُقاس بما فعله بعد الهجوم، فيما يعيده خصومه إلى ما عجز عن منعه قبله. لكن السؤال عن مسؤولية الحكومة في ذلك الصباح يبقى قائمًا، مهما طال سجل العمليات التي جاءت بعده.
وعلى الجانب الآخر من الحدود، كانت غزة تفقد، تباعًا، الأماكن التي يمكن للناس أن يواصلوا حياتهم فيها.
لم نرَ في القطاع تدميرًا بهذا الاتساع بدأ الأمر وكأن تصريحات المسؤولين الإسرائيليين عن "إبا-دة" قطاع غزة تنفذ فعلا . أحياء صارت ركامًا، وعائلات تفرّقت بين الموت والنزوح، وناجون انتقلوا من مكان إلى آخر يحملون ما استطاعوا حمله. ومع تكرار الصور، صار الخطر أن اعتاد العالم المشهد، وأن يختصر الخبر اليومي ما يحتاج فهمه إلى عمر.
الأرقام ضرورية كي لا يضيع حجم الفاجعة في الغموض. لكنها لا تقول كيف يبدأ المرء صباحه بعد فقدان بيته وأفراد من عائلته. ولا كيف يجيب عن سؤال أبنائه: متى نعود؟ وهو لا يعرف ما بقي من المكان الذي يسألونه عنه.
ما زال معظم أهل غزة في الخيام والمآوي المؤقتة. طال المؤقت حتى صار سنوات من حياتهم. وحين تُذكر إعادة الإعمار، يبدو الزمن مختلفًا على جانبي الكلام. في التصريحات، ثمة خطط ومراحل. تحت القماش، ثمة يوم آخر ينبغي اجتيازه، وماء ينبغي الحصول عليه، ومكان ينبغي أن يتسع للنوم.
وفوق هذا الانتظار، يظل تهديد التهجير حاضرًا. يخشى الناس أن يصبح فقدان بيوتهم مقدمة لفقدان أرضهم، وأن تتحول إقامتهم المؤقتة إلى مصير لا يملكون تغييره.
ستبقى آثار هذه النكبة سنوات طوالًا. رفع الركام وإعادة البناء سيستغرقان وقتًا طويلًا، أما استعادة الحياة فمسألة أشد تعقيدًا. من فقد عائلته لن يستعيدها مع البيت، ومن أمضى سنوات طفولته نازحًا سيحملها معه أينما أقام وسيعيش ،غاضباً ،يفكر في الانتقام.
وأنا أكتب عن ذلك الصباح، أفكر في الفارق بين ما عرفته في المداخلة الأولى وما أعرفه الآن. كنت في ما يُسمّى “غلاف غزة”، أحاول وصف ما يجري، وقد تجاوز ما حدث كل الحدود والتوقعات. فقد اتسع لاحقًا إلى حربين مع حزب الله، وحربين على إيران، وهذه الحروب اتصلت في حرب واحدة ترفض أن تنتهي، وتواصل حتى الساعة تسجيل القتل والدمار يوميًا في أكثر من جغرافيا ما تحول إلى اخبار روتينية ميكانيكية.
قد تغيّر الانتخابات حكومة إسرائيل، وقد يغادر مسؤولون آخرون مواقعهم. سيكون لذلك معناه في الحساب السياسي، لكنه لن يعيد وحده أهل غزة إلى بيوتهم، ولن يجعل ما عاشوه فصلًا انتهى.
أعود إلى شاشة هاتفي في السادسة وتسع وعشرين دقيقة. توقفت الإنذارات عليها منذ زمن. أما ذلك الصباح، فما زالت آثاره تُرى في غزة، كلما رفع أحدهم طرف خيمته وخرج إلى يوم آخر طوله سنوات ثلاث.