
















اهلا-الاب مسعود ابو حاطوم من يُفرغ الشرق من مسيحييه؟ وإلى متى نخاف من السؤال؟
من فلسطين إلى سوريا والعراق ومصر ولبنان وتركيا، تختلف الأسباب والجهات والظروف، لكن النتيجة التي يجب أن تقلقنا جميعاً واحدة:
المسيحي الشرقي الذي عاش في هذه الأرض منذ القرون الأولى للمسيحية يجد نفسه، مرة بعد مرة، أمام سؤال موجع: أبقى وأخاطر بمستقبل عائلتي، أم أرحل بحثاً عن الأمان؟
ولا نتحدث هنا عن مؤامرة نطلقها بلا دليل، ولا نتهم الإسلام أو اليهودية أو أي شعب بأكمله. فالتعميم ظلم، والمسيحيون أنفسهم عاشوا وما زالوا يعيشون مع مسلمين ويهود يرفضون التطرف والاعتداء.
لكننا نتحدث عن وقائع موثقة لا يجوز دفنها باسم «العيش المشترك».
في سوريا: تعرّضت كنيسة مار إلياس في دمشق لهجوم دموي عام 2025، وسقط عشرات القتلى والجرحى. وفي آذار 2026 تعرّضت مدينة السقيلبية ذات الغالبية المسيحية للترهيب والعنف وتخريب الممتلكات، ووصل الرصاص إلى مقام السيدة العذراء. وبطريركية أنطاكية نفسها حذّرت من تبرير ما يتعرض له المسيحيون دائماً بوصفه مجرد «حوادث فردية».
في العراق: انتهت سيطرة «داعش» على مناطق واسعة، لكن آثار الإبادة والتهجير لم تنتهِ. وما زالت تقارير دولية توثق قيوداً ومشكلات تمس الحرية الدينية وحقوق الأقليات، فيما يبقى السؤال الأكبر: كم من مسيحيي العراق الذين هُجّروا استطاعوا فعلاً العودة إلى حياة آمنة ومستقرة؟
في مصر: ما زالت التقارير الدولية تتحدث عن مشكلات تطال الأقباط، ولا سيما في بعض مناطق صعيد مصر، وعن اعتداءات ومضايقات ومشكلات مرتبطة بالكنائس والتحقيق والمساءلة، إلى جانب وجود خطاب رسمي يدعو إلى الوحدة والتسامح. الحقيقة يجب أن تُقال كاملة، لا أن نأخذ نصفها الذي يناسبنا.
في تركيا: ما زالت جماعات مسيحية تواجه قيوداً مرتبطة برجال الدين ودور العبادة والوضع القانوني، إضافة إلى حوادث كراهية واعتداءات نفذتها جهات متطرفة.
وفي لبنان، حيث كان المسيحيون ركناً أساسياً في تكوين الدولة والمجتمع، تضرب الأزمات الاقتصادية والسياسية والحروب والاستقطابات مستقبل الجميع، ويصبح الرحيل، ولا سيما بين الشباب، خياراً متزايداً. وحتى في الجنوب اللبناني وثّق مجلس الكنائس العالمي عام 2026 تهجير مجتمعات، بينها مجتمعات مسيحية، وأدان تدنيس رمز مسيحي.
ثم نصل إلى الأرض التي وُلد فيها السيد المسيح.
في الطيبة، آخر بلدة فلسطينية ذات سكان مسيحيين بالكامل في الضفة الغربية، أدان بطاركة ورؤساء كنائس القدس اعتداءات نفذها مستوطنون إسرائيليون، وتحدثوا عن اتجاه متصاعد من الاعتداءات التي تستهدف المجتمع المحلي ووجوده.
وفي بيت ساحور، مدينة حقل الرعاة، على بعد دقائق من مغارة الميلاد، وثّقت السنوات الماضية حادثة الاعتداء على كنيسة الآباء والأجداد للروم الأرثوذكس، وانتشرت صورها على نطاق واسع. واليوم يواجه محيط المدينة خطراً آخر؛ إذ حذّر مجلس الكنائس العالمي عام 2026 من أن المشروع الاستيطاني في منطقة عش غراب يهدد الأرض ومستقبل أحد أقدم التجمعات المسيحية الباقية في الأرض المقدسة. وقبل أسابيع فقط، في 25 أيلول 2026، اقتحمت قوات الاحتلال بيت ساحور وداهمت منزلاً مسيحيا فيها.
وهناك أيضاً حوادث ومشكلات اجتماعية محلية يتداولها الناس فيما بينهم، وأحياناً ترتبط بأبناء عائلات معروفة، ثم يختار المجتمع نفسه الصمت عنها أو حصرها في مجموعات خاصة. لن نتهم أحداً في حادثة لا نملك بشأنها توثيقاً علنياً، ولكن السؤال مشروع: لماذا نخاف حتى من التوثيق والمطالبة بالتحقيق؟
هل نخاف على «صورة المجتمع» أكثر مما نخاف على الإنسان؟
بيت لحم... مدينة التصقت أسمها بتاريخ المسيحية منذ ألفي عام... أرض ميلاد أمير السلام نفسها تفتقد السلام.
والمفارقة المؤلمة أننا نشاهد عشرات المؤتمرات والندوات والمنشورات عن «التسامح» و«الأخوة» و«العيش المشترك»،
لكن عندما يقع الاعتداء الحقيقي يصبح الكلام همساً:
لا تنشروا.لا تتكلموا.لا تثيروا المشكلة.لا تشوّهوا صورة البلد.لا تعطوا الموضوع بعداً دينياً.لا تجعلوا الآخرين يقولون إن لديكم «أجندة خارجية».
حسناً... فلنسأل السؤال الذي يخشاه الجميع:
إذا كان من يوثّق الاعتداء على المسيحيين متهماً بأن لديه «أجندة» لتفتيت المجتمع، فمن صاحب الأجندة الحقيقية عندما تكون النتيجة العملية، سنة بعد سنة، شرقاً أقل مسيحيين؟
نحن لا نزعم وجود غرفة سرية واحدة تدير تهجير مسيحيي الشرق؛ فهذا ادعاء يحتاج إلى دليل...
لكننا نسأل عن النتيجة:
إذا اجتمع التطرف، والعنف، والتمييز، والحرب، والاستيطان، والاستيلاء على الأرض، وضعف سيادة القانون، والخوف من التبليغ، والصمت الاجتماعي، والأزمة الاقتصادية... وكانت النتيجة أن تحمل العائلة المسيحية حقائبها وترحل، فماذا نسمي ما يحدث للوجود المسيحي في الشرق؟
ومجلس الكنائس العالمي نفسه يعتبر الهجرة المستمرة للمسيحيين من الشرق الأوسط أحد أبرز المخاوف التي تواجه كنائس المنطقة.
المشكلة أن أغلبية مسيحيي الشرق ليست جماعات مسلحة، ولا تبحث عن صراع مع أحد.
هم يريدون الكنيسة، والبيت، والعمل، ومدرسة أولادهم، وكرامتهم، ومستقبلهم.
وعندما يشعر الأب أن أبناءه قد يصبحون ضحية للصراع، لا يحمل بندقية في الغالب؛ يحمل جواز سفر.
وعندما تخاف الأم على أولادها، لا تنتظر مؤتمراً جديداً عن التسامح؛ تبحث عن بلد يستطيع أبناؤها أن يعيشوا فيه بأمان.
وهكذا يحدث الإفراغ بصمت.
عائلة اليوم.شاب غداً.طبيب بعده.مهندس وعائلة كاملة في السنة التالية.
ثم نستيقظ بعد سنوات ونسأل باستغراب:
أين ذهب مسيحيو الشرق؟
والكتاب المقدس لم يعلّمنا أن نخفي الظلم حفاظاً على المظاهر: «اِفْتَحْ فَمَكَ. اقْضِ بِالْعَدْلِ، وَحَامِ عَنِ الْفَقِيرِ وَالْمِسْكِينِ»(أمثال 31: 9)
ويقول الرسول بولس: «لاَ تَشْتَرِكُوا فِي أَعْمَالِ الظُّلْمَةِ غَيْرِ الْمُثْمِرَةِ، بَلْ بِالْحَرِيِّ وَبِّخُوهَا»(أفسس 5: 11)
والقديس يوحنا الذهبي الفم، الذي تكلم بقوة عن الظلم، يذكّرنا بأن الظلم لا يدمر المظلوم وحده، بل يفسد أيضاً نفس من يمارسه. كما يشرح في عظاته قول الرسول: «اطرحوا عنكم الكذب وتكلموا بالصدق كل واحد مع قريبه» لأننا «بعضنا أعضاء بعض».
المسيحية لا تدعونا إلى الكراهية.ولا إلى الانتقام.ولا إلى التحريض على المسلم أو اليهودي أو أي إنسان.
لكن المحبة المسيحية لا تعني الجبن، والسلام لا يعني الصمت عن الظلم، والتسامح لا يعني منح المعتدي حصانة من المساءلة.
لذلك المطلوب ليس الانتقام، بل التوثيق.
المطلوب أن تصل الاعتداءات الموثقة إلى الكنائس العالمية، ومؤسسات حقوق الإنسان، ووسائل الإعلام، والبعثات الدبلوماسية، والأمم المتحدة والمؤسسات الدولية.
والمطلوب قبل كل ذلك أن يتوقف المسيحي نفسه عن الخوف من قول الحقيقة.
نريد شرقاً يبقى فيه المسيحي والمُسلم وكل إنسان آمناً ومحترماً ومتساوياً أمام القانون.
لكن لا تطلبوا من المسيحي أن يبقى في أرضه، ثم تطلبوا منه في الوقت نفسه أن يصمت عندما يخاف فيها.
فالسلام الذي يحتاج إلى إسكات الضحية ليس سلاماً.والعيش المشترك الذي يمنع أحد أطرافه من قول الحقيقة ليس عيشاً مشتركاً.
والسؤال لم يعد فقط: من يعتدي على مسيحيي الشرق؟
السؤال الأخطر هو:
من يستفيد من شرقٍ بلا مسيحييه؟ ومن صاحب الأجندة الحقيقية إذا كانت النتيجة النهائية إفراغ الأرض التي وُلدت فيها المسيحية من أبنائها؟
☦️ لن نكره أحداً... لكننا لن نقدّس الصمت أيضاً .