
















اهلا جوبي شعلة لا تطفئها الرياح الدوّارة حول مصلّب الانتظار. وطاقة جبّارة لا تكلكل همّتها الإقامة مع مسنّ والعناية به على مدار الأيام والساعات. امرأة تبصر الدنيا بعين أُمّ يحفر الدمع في مؤقتيها حكاية شوق لا تحجبه المسافات... وتكتب خلجاتها بابتسامة شابّة تبطل عمل الزمن.
احتكاكنا الروحيّ المعمّر وقربنا الجغرافي يحتّم علينا عيادة الحكاية يوميًّا. فكانت مع العاملة السمراء مودّة عميقة تخطّت الحدود الافتراضيّة إلى موقع بالغ الأثر على واقعها الروتينيّ الثقيل. الواقع لا يتستّر على حاجاتها العاطفيّة الإنسانيّة، كحدّ أدنى... بل يصوّب عليها امرأة مناضلة قذف بها وطنها مسافة 4500 كم غربًا لتؤمّن لأُسرتها عيشًا كريمًا. رغباتها الخاصّة مؤجّل والعائليّة معجّلة. بهذا تعيد للذاكرة مجد الأُمومة حين كانت نبضًا يدير ساعة الزمن؛ تقصّر الليل بهمسة في أُذن المساء، وتطوّل النهار بلمسة على جبين الفجر، فلا ليل يغفو قبل انتهاء صلاتها، ولا نهار يصحو بعد صيحة الشروق. وتبدأ الحكاية.
وتبدأ حكاية جوبي من شرنقة حلم يطلّ من خلف ستار المرايا الهرميّة، فلا تكمّمه، بل تطلقه صريحًا واضحًا: جسدي هنا وقلبي هناك! نفهم هذا بدقة مع أنّها تتكلّم الإنجليزيّة من اليمين لليسار، والعربيّة من اليسار لليمين. ونقرأ ابتلال عينيها ترجمة كتاب نفس أسيرة دمعة شوق لاحتضان ولدها الأصغر... وتنفجر أُمومتها فلا يحرجها التعبير عن خوفها أن تعود وقد خطّ الزمن شاربيه! وترتعد خوفًا على الكبير من التيه عند مفرق الشباب. وخلال لحظة يبدأ صدام رقيق بين خفقاتها يجعلها على البعد تنهمر فرحًا لفرح الصغير بلعبة إلكترونيّة وصلته منها، وتبتهج مع مرآة الكبير بقميص وصله منها. أمّا الهاتف فيجفّف دمعها بابتسامة تحيل ضعفها قوة. وقوّتها صلاة صامتة. وتواصل حياتها اليوميّة محصورة في مربّع من أربعة أشخاص تعتبرهم الأصدقاء: بابا وماما المضيفين، وبابا وماما القريبين. والباقون زوّار عابرون، وليس فيهم مَن يتحدّث بلغتها. وهذا تقشّف اجتماعيّ لا يعوّضها عنه سوى احترام عواطفها قولًا وفعلًا... واكتفاؤها بما يسدّ رمق لسانها للتعبير عن ذاتها لا يفسّره غير حقيقة عزمها وعمق إيمانها بما تسعى له. أمّا مكانها على المائدة فثابت بحيث يكرّسها فردًا من العائلة، لا مجرّد رقم هامشيّ. لكنّ "اللمة" تشعركَ بحرارة شوقها للغة أُمها. ويكون الصمت قد سبقها إلى كوخ تسكنه أسرار عظيمة.
وقد كان يوم آخر. الطاولة في الشرفة/ المدخل تحتفل بعودة الصوت لها بعد أشهر من السكوت. لكن لا عجقة، لا تجمهر، لا هرج ولا ضجيج... فقط كتاب واحد، قلم واحد ودستة من أوراق غير مسطّرة. نصف الصفحة العليا مسطّر بكلام لا أفهم حرفًا واحدًا منه. لا شكّ في أنّها اللغة الهنديّة. وبحسب رسم غلاف هذا الكتاب السميك أقدّر أنّه الإنجيل المقدّس. سألتها وعرفت أنّها تنسخ دستور المحبّة بخطّ يدها، وخطّها أنيق ومنسّق.
لماذا تقوم بهذا العمل الدقيق الصعب؟ وكيف تنجح باقتطاع وقت من وقتها المقتطَع للاسترخاء؟ هل تلاين قسوة الانتظار؟ أم ترشوه بكتابة قصة زغلول حمام؟ في عينيها إجابات تستعين بلغة جسدها البليغة مدعومة بخيوط من شتات الكلام... وفيه ما يفيد بأنّها عازمة على إهداء ولديها نسختين من نهج البلاغة الإلهية إيمانًا منها بأنّ هذا سيعينهما على النجاح في الحياة وتخطّي صعابها. والأهمّ الأهمّ هو الابتعاد عن مواقع الرذيلة! جوبي تنسخ الفضيلة أُمومة على مقاس المحبّة، ودستورًا على مقاس السلام. وتجتهد بتفسير قول السيّد المسيح "كنتُ جائعًا فأطعمتموني... عريانًا فكسوتموني... مريضًا فعدتموني"... إلى آخر الشريط.
فكتبتها. وما فعلتُ إلّا لغايتين اثنتين، إحداهما أخلاقيّة/ إنسانيّة للتذكير بأنّ هذه الفئة من العاملين الغرباء أُناس كرماء شرفاء يجب احترامهم، وليسوا عبيدًا أو متسوّلين... ومن ثمّ الدلّ على الإيمان كفعل تطهّر يفوق الجبال علوًّا ونقاء. وسألتها إن كانت تقبل بذكر اسمها، فقبلت بفرح كبير. بل وطلبت أن أبعث لها النصّ، فتترجمه (آليًّا) وترسله لعائلتها. فعلّقت في سرّي: الأنقياء يقنعون بأقلّ الموجود، ويفرحون بأبسط الأشياء.
يتبع _ "أميهان" حبّة قمح فريك!