
















اهلا-د.جوزيف زيتون قوَّةُ الصَّليب الكريم المحيي
في عيد رَفعِ الصليب الكريم المحيي، يتوافدُ المؤمنون من كلِّ مكانٍ للسّجودِ للمسيحِ الإلهِ-الإنسانِ المصلوبِ، فيُنصَبُ الصَّليبُ ويُرفَعُ في وسط الكنائس المقدّسة. وحين نَسجدُ للصَّليب، فإنّنا في الحقيقةِ نسجدُ أيضًا لذاك الّذي سُمِّر على الصَّليب، والّذي أتمَّ هذه الذبيحةَ العظيمةَ من أجل الجنس البشريّ كلّه.
لكن، في هذا اليوم العظيمِ والبَهِج، ينبغي لنا أن نتأمَّلَ قليلًا ما معنى أن يكونَ المسيحُ هو المصلوبُ والقائِمُ من بين الأموات. لأنَّه، بعدما صُلِبَ وماتَ على الصَّليب، قامَ من بين الأموات. فما هو عملُ المسيح المصلوب والقائم، ومَن هو؟ لكي نفهم ذلك، ينبغي أن ننظرَ بإيجازٍ إلى ما كان يجري في العهد القديم، وإلى ما فَعَلَه المسيح في العهد الجديد.
في العهد القديم كان هناك ثلاثة رؤساء كبارٍ يمارسون سلطةً على الشعب. أوّلًا، كان الأنبياء، الذين كان الله يرسلهم لكي يرشدوا الشعب روحيًّا. وكان موسى نبيًّا عظيمًا، إذ صعد إلى جبل سيناء وكان يتكلّم مع الكلمة غير المتجسّد، فتسلّم النّاموس وأعطاهُ للشعب. فالنبيّ هو ذاك الذي يصلّي ويدخل في شِركَةٍ مع الله، ثمّ يرشد الشعب. ثانيًا، كان الملوك، الذين كانوا يمارسون السّلطة السّياسيّة على الشعب. إذ في مرحلةٍ ما، بينما كان الشعب يُقاد من الله بواسطة القضاة، طلب مِنَ الله، هو أيضًا، أن يكونَ له ملوكًا، كسائر الأمم، فأعطاهم الله ذلكَ. أمّا السّلطة الثّالثة، فكان يمارسها رؤساء الكهنةِ والكهنةُ، الذين كانوا يقدّمون الذبائح، ويهتمُّون بكلِّ ما كان يجري في الهيكل. بالتّالي، في العهد القديم كانت هناكَ ثلاثُ سلطاتٍ مستقلِّةٍ بعضُها عن بعضٍ، غيرَ أنَّها كانت في أحيانٍ كثيرةٍ تتداخلُ وتتعارضُ. فالأنبياءُ كانوا يوبِّخون الملوكَ، والملوكُ كانوا أحيانًا يضطّهدون الأنبياء، وبالطبع كان للكهنةِ ورؤساءِ الكهنةِ دورٌ مختلفٌ داخلَ المجتمع. وهكذا، كانت هذه السّلطات تقوم كلُّ واحدةٍ منها بعملٍ مختلفٍ، وكانت تدخلُ أحيانًا في حالةٍ من التَّنافسِ والتَّعارض فيما بينها.
في العهدِ الجديدِ، يصير ابن الله وكلمتُه إنسانًا، ويتّخذ الطبيعة البشريّة، ويُنشئ شعبًا جديدًا. فماذا يعني هذا؟ هل يعني أنّه يُبطل كلَّ ما كانَ موجودًا في العهد القديم؟! أم بالأحرى يتجاوزُه ويأخذُه كلَّه في شخصِهِ. ولذلك نرى أنّ المسيح، دائمًا، ولكن بصورةٍ خاصّة على الصَّليب، قد جمعَ في ذاتِهِ هذهِ الأعمالِ الثَّلاثة التي كان يقومُ بها أولئكَ في العهد القديم: فكان نبيًّا وملكًا ورئيس كهنةٍ.
يسوع المسيح هو النبيّ الحقيقيّ، لأنَّه في شركةٍ دائمة مع الله؛ فهو، في كلّ حال، المسيح الإله-الإنسان، ما يعني أنّ له طبيعةً إلهيّة وطبيعةً بشريّة، وقد اتّحدت الطبيعتان في أقنومه. وكان في شركةٍ دائمة مع الله، ويصلّي، كإنسان، إلى الله، وفي الوقت نفسه يعلّم النّاس. وهكذا كان يمارسُ هذا العمل النبويَّ. إنَّه يعلِّمُ المحبّة، التي ليست هي مجرَّد شعورٍ خارجيّ، بل هي ذبيحةٌ. فإذا أراد أحدٌ أن يقول للآخر: «إنّي أحبّك»، فعليه أن يضحّي، أن يُذبَحَ من أجلِهِ. لأنَّهُ إن لم يضحِّ، تكون محبَّتُهُ خارجيّة وكاذبة.
إنَّ المسيحَ هو الملك؛ فقبلَ ذبيحتِهِ على الصّليب بقليلٍ، سألَهُ بيلاطس: "أَفَأَنْتَ إِذًا مَلِكٌ؟" (يوحنّا 37:18). فقال له المسيح: "مَمْلَكَتِي لَيْسَتْ مِنْ هذَا الْعَالَمِ" (يوحنّا 36:18). فهي لا تستمدُّ وجودها من الشعب، ولا من الثّقة التي يمنحها النّاس، ولا من الأصوات التي يُدلونَ بها، بل إنّ مملكتَهُ مختلفةٌ، إنّها مملكةٌ سماويَّةٌ. كذلك يظهرُ هذا العمل الملوكيُّ، الذي للمسيح، على الصّليب، إذ به غَلَبَ الموتَ والخطيئةَ وإبليسَ. فبصفتِهِ ملكًا أحرز نصرًا عظيمًا ومجيدًا، إذ غَلَبَ الموتَ والخطيئةَ وإبليسَ.
يكتبُ الرسول بولس في رسالته إلى أهل كولوسي:"إِذ مَحَا الصَّكَّ الَّذِي عَلَيْنَا فِي الْفَرَائِضِ، الَّذِي كَانَ ضِدًّا لَنَا، وَقَدْ رَفَعَهُ مِنَ الْوَسَطِ مُسَمِّرًا إِيَّاهُ بِالصَّلِيبِ، إِذْ جَرَّدَ الرِّيَاسَاتِ وَالسَّلاَطِينَ أَشْهَرَهُمْ جِهَارًا، ظَافِرًا بِهِمْ فِيهِ" (14:2-15). هنا يستخدمُ الرّسولُ بولسُ ثلاثةَ أفعالٍ تُظهِرُ هذهِ السَّلطةَ الملوكيَّةَ وهذهِ القوَّةَ التي للمسيح على الصّليب: «إذ جرَّدَ الرئاساتِ والسَّلاطين»، أي إنَّه جرَّد وأفرغَ من قوّتِها كلَّ السُّلطةِ التي كانت لإبليسَ وأتباعِهِ؛ و «أشهرَهُم»، أي شهّر بهؤلاءِ الأعداءِ وأخزاهُم؛ و «ظفرَ بهم»، أي ساقَهُم مهزومينَ في موكبٍ ظافرٍ. وهكذا، نقولُ إنَّ الموتَ قد أُبطِلَ بقيامةِ المسيح، ولكنَّ الصَّليبَ سبَقَ القيامَةَ. فعلى صليبِ المسيحِ غُلِبَ الموتُ، بحسبِ تعليم كنيستِنا كُلِّهِ. وقيامةُ المسيحِ هي تأكيدٌ على أنَّ هذا العملَ قد تمَّ بالفعلِ، أي إنَّ الموتَ والخطيئةَ وإبليسَ قد هُزموا، وَهُم أعظمُ الطُّغاةِ الذين يعذِّبونَ البشرَ. بهذا تجلَّى عمَلُهُ الملوكيُّ بصفتِه ملكًا.
كذلك كان المسيحُ على الصَّليب رئيسَ كهنةٍ أيضًا. كان هو الله، لكنّه أخذَ على عاتِقِهِ أيضًا رئاسةَ الكهنوتِ بصفتِه إنسانًا، لأنَّه أتمَّ هذهِ الذَّبيحةَ العظيمةَ، ذبيحةَ اتِّحادِ الإنسانِ بالله، ذبيحةَ المصالحةِ. لقد أتمَّ المصالحةَ التي كنَّا بحاجةٍ إليها مع الله. لقد تمَّت مصالحةُ البشرِ مع الله في المسيح يسوع. كان الكهنةُ ورؤساءُ الكهنةِ في العهدِ القديمِ يقدِّمون ذبائحَ مختلفة، لكن لم يكونوا قادرين على أن يقدّموا شيئًا للنّاس. أمَّا المسيح، فعلى الصَّليبِ قدَّمَ هذهِ الذَّبيحةَ السّامية، وصالح الإنسانَ مع الله، وهو أمرٌ كان الإنسانُ في أمسِّ الحاجةِ إليهِ.
هكذا، عندما نُقبِّلِ الصًّليبَ الكريمَ، فإنّنا لا نَفعلُ ذلك لمجرَّدِ شعورٍ ما أو لكي نَطلبَ معونةً ما وَحسْب، مع أنَّ هذا مهمٌّ بالطبع، بل نعترف ونؤمن بأنَّ يسوعَ المسيحَ هو الإلهُ الحقيقيُّ والإنسانُ الحقيقيّ؛ هو النبيُّ الذي يعلِّمُ ويحبُّ، وهو الملكُ الذي يملكُ علينا، وهو في الوقتِ نفسِهِ رئيسُ الكهنةِ الّذي يقودُنا نحو الله.
الارشمندريت يوحنا المشرقي