
















اهلا ماذا ستفعل إسرائيل بعد أن تنتهي من تدمير كل شيء؟
المهندس غسان جابر
القيادي في حركة المبادرة الوطنية الفلسطينية .
السؤال الأكثر إزعاجًا لإسرائيل اليوم ليس: هل انتصرت في الحرب؟
السؤال الأكثر إزعاجًا هو: ماذا ستفعل إسرائيل إذا اعتبرت نفسها قد انتصرت؟
هنا تبدأ الأزمة الحقيقية.
لأن الدولة التي تدخل الحرب بهدف واضح تعرف، أو يفترض أن تعرف، متى تنتهي الحرب وماذا ستفعل في صباح اليوم التالي. أما عندما تتحول الحرب من وسيلة لتحقيق هدف سياسي إلى حالة دائمة لإدارة الدولة والمجتمع، فإن النصر نفسه يصبح مشكلة.
وهذا تحديدًا ما أسميه «أزمة الانتصار».
إسرائيل تستطيع أن تقول إنها دمرت، ضربت، تقدمت، سيطرت، اغتالت، وسّعت نطاق عملياتها، وفرضت واقعًا عسكريًا جديدًا في أكثر من جبهة. لكن كل ذلك يقود إلى السؤال الذي لا تستطيع القوة العسكرية الإجابة عنه:
وماذا بعد؟
ماذا بعد غزة؟
ماذا بعد لبنان؟
ماذا بعد إيران؟
ماذا بعد الضفة الغربية والاستيطان؟
ماذا بعد أن يصبح عدد الجبهات أكبر من عدد الإجابات السياسية؟
هنا لا تعود المشكلة في حجم القوة، بل في غياب الغاية السياسية التي تستطيع هذه القوة أن تقود إليها.
أزمة ليست أزمة نتنياهو
من السهل اختصار المشهد في بنيامين نتنياهو.
قد يرحل نتنياهو، وقد تتغير الحكومة، وقد تتبدل نتائج الانتخابات، وقد يدخل معسكر سياسي جديد إلى الحكم.
لكن السؤال الأخطر سيبقى قائمًا:
هل ستتغير إسرائيل التي صنعتها الحرب، أم سيتغير فقط اسم رئيس الحكومة؟
هذه هي النقطة التي يجب ألا تضيع وسط صخب الانتخابات الإسرائيلية.
فالأزمة أعمق من شخص، وأكبر من ائتلاف حكومي. إنها أزمة تصور كامل للأمن والسياسة والمستقبل.
عندما يصبح الأمن هو اللغة الوحيدة للدولة، تتحول السياسة إلى غرفة عمليات.
وعندما تصبح غرفة العمليات هي مركز القرار، يصبح استمرار التهديد ضرورة سياسية.
وعندما ينتهي تهديد، يجب البحث عن تهديد آخر.
وهكذا تتحول الحرب إلى اقتصاد، والاقتصاد إلى سياسة، والسياسة إلى هوية.
اقتصاد حرب يحتاج إلى حرب، وسياسة حرب تحتاج إلى عدو، وهوية حرب تحتاج إلى خوف دائم.
وهنا تصبح نهاية الحرب أخطر من استمرارها على بعض مراكز القوة؛ لأن السلام لا يعني فقط توقف إطلاق النار، بل يعني أيضًا العودة إلى الأسئلة التي جرى تأجيلها لسنوات: ما حدود الدولة؟ ما مستقبل الفلسطينيين؟ ما شكل العلاقة مع العرب؟ أين تنتهي إسرائيل؟ وأين يبدأ الحل؟
المشكلة أن الانتصار العسكري لا يكتب اليوم التالي
يمكن للجيوش أن تدمر مدينة.
لكنها لا تستطيع أن تبني شرعية فوق أنقاضها.
يمكن للدبابات أن تفرض السيطرة على الأرض.
لكنها لا تستطيع أن تنتج مستقبلًا سياسيًا.
يمكن للطائرات أن تغير ميزان القوة.
لكنها لا تستطيع أن تلغي الجغرافيا أو التاريخ أو حقوق الشعوب.
وهنا تكمن المفارقة.
قد تحقق إسرائيل مكاسب عسكرية هائلة، لكنها كلما اقتربت من إعلان «النصر» اكتشفت أن السؤال السياسي أصبح أكبر.
لأن النصر العسكري ليس نهاية الصراع.
إنه، في السياسة، مجرد بداية امتحان جديد:
من يحكم؟
من يعيد البناء؟
من يدفع الثمن؟
من يضمن الأمن؟
ما مستقبل السكان؟
وما شكل المنطقة بعد انتهاء المعارك؟
وإذا لم تكن هناك إجابات، فإن الحرب لا تكون قد انتهت.
بل تكون قد غيرت شكلها فقط.
إسرائيل لا تخوض حربًا واحدة
ما يلفت الانتباه في المشهد الميداني هو اتساع الجغرافيا العسكرية: غزة، لبنان، سوريا، إيران، البحر الأحمر، والضفة الغربية التي يجري تعزيز الوجود العسكري فيها بالتزامن مع تصاعد الاستيطان.
وهذه ليست مجرد قائمة جبهات.
إنها علامة على أن إسرائيل تواجه مشكلة أكبر من مواجهة خصم واحد.
فكل جبهة جديدة قد تحقق لإسرائيل مكسبًا تكتيكيًا، لكنها تفتح في الوقت نفسه سؤالًا استراتيجيًا جديدًا.
والدولة التي تحتاج إلى جبهة جديدة كلما اقتربت من إغلاق جبهة قد تكون أمام مشكلة ليست في الحرب، بل في طريقة تعريفها للأمن.
الأمن الذي يحتاج إلى حرب دائمة ليس أمنًا مكتملًا.
إنه إدارة دائمة للخوف.
والاستيطان؟ ماذا سيحل بعد الحرب؟
هنا تصبح الضفة الغربية هي الاختبار الأكثر وضوحًا.
لأن توسيع الاستيطان وفرض الوقائع الجديدة على الأرض قد يبدو في الحساب الإسرائيلي مكسبًا استراتيجيًا، لكنه في الحساب السياسي يعني إغلاق أبواب المستقبل واحدًا بعد آخر.
والمشكلة ليست فقط في الفلسطينيين.
المشكلة أيضًا في إسرائيل نفسها.
فكلما ضاقت مساحة الحل السياسي، اتسعت مساحة القوة العسكرية.
وكلما اتسعت مساحة القوة، أصبحت إسرائيل أكثر اعتمادًا عليها.
وهكذا تدخل الدولة في دائرة مغلقة:
تغلق باب السياسة، فتفتح باب الحرب؛ ثم تستخدم الحرب لتغلق ما تبقى من أبواب السياسة.
وهذا ليس انتصارًا.
هذه أزمة انتصار.
فلسطين ليست «اليوم التالي»… فلسطين جزء من اليوم التالي
وهنا يجب أن نقلب المعادلة.
فلسطين ليست ملفًا يمكن وضعه على الطاولة بعد انتهاء الحرب.
وليست تفصيلًا يمكن تأجيله إلى حين ترتيب البيت الإقليمي.
فإذا كانت المنطقة تتجه نحو إعادة رسم طرق التجارة والطاقة والنقل والأمن، من الخليج إلى الأردن، ومن البحر الأحمر إلى البحر المتوسط، فإن فلسطين ليست خارج الخريطة.
إنها في قلب الخريطة.
ومن يعتقد أن بالإمكان بناء شرق أوسط جديد فوق الجغرافيا الفلسطينية، متجاهلًا الشعب الفلسطيني وحقوقه ومصالحه السياسية، فهو لا يصنع نظامًا إقليميًا جديدًا، بل يؤجل انفجار النظام القديم.
لهذا فإن السؤال الإسرائيلي ليس فقط: كيف نحمي إسرائيل؟
بل يجب أن يصبح:
كيف يمكن بناء أمن إسرائيلي لا يقوم على غياب الأمن الفلسطيني؟
وهذا السؤال، رغم بساطته، قد يكون أصعب من كل العمليات العسكرية.
من ينتصر عندما لا يستطيع أحد أن ينهي الحرب؟
هذه هي المفارقة التي لا تريد السياسة الإسرائيلية الاعتراف بها.
قد تنتصر إسرائيل في معركة.
وقد تنتصر في عشر معارك.
لكن إذا بقيت بحاجة إلى معركة جديدة لإثبات الانتصار السابق، فماذا نسمي ذلك؟
إذا كان كل نصر يحتاج إلى نصر آخر، وكل نصر يخلق عدوًا جديدًا، وكل عدو جديد يبرر حربًا جديدة، فإن كلمة «انتصار» تفقد معناها.
النصر الذي لا يفتح بابًا للمستقبل يتحول إلى سجن للماضي.
وهنا لا تعود إسرائيل أمام سؤال «كيف تهزم خصومها؟»، بل أمام سؤال أكثر صعوبة:
كيف تخرج من عقلية الحرب دون أن تشعر أنها تخرج من أمنها؟
هذه هي المعركة الحقيقية.
وفلسطين أيضًا أمام امتحان
لكن علينا، نحن الفلسطينيين، ألا نخطئ في قراءة المشهد.
أزمة إسرائيل لا تعني تلقائيًا انتصار فلسطين.
وتعثر المشروع الإسرائيلي لا يعني أن المشروع الفلسطيني أصبح جاهزًا.
فإذا كانت إسرائيل تعاني من أزمة «اليوم التالي»، فإن فلسطين مطالبة بأن تقدم رؤية لليوم التالي.
لا يكفي أن نقول إن الاحتلال فشل.
يجب أن نعرف ماذا سنفعل عندما تتغير موازين المنطقة.
لا يكفي أن نرفض الاستيطان.
يجب أن نقدم مشروعًا سياسيًا واقتصاديًا ومؤسسيًا قادرًا على حماية الأرض والإنسان.
لا يكفي أن ننتظر أن يسقط هذا أو يصعد ذاك.
المطلوب أن نصبح نحن أصحاب مشروع لا أصحاب رد فعل.
وهنا تحديدًا تصبح الأزمة الإسرائيلية فرصة سياسية للفلسطينيين، بشرط ألا نضيّعها في خلافاتنا الداخلية.
السؤال الذي سيبقى بعد آخر صاروخ
ربما تستطيع إسرائيل أن تربح الحرب عسكريًا.
وربما تستطيع أن تفرض واقعًا جديدًا بالقوة.
لكنها لن تستطيع أن تقصف سؤال «ماذا بعد؟».
لن تستطيع أن تهدم الجغرافيا.
لن تستطيع أن تلغي الشعب الفلسطيني.
ولن تستطيع أن تجعل الحرب مشروعًا دائمًا دون أن تدفع ثمن ذلك في سياستها واقتصادها ومجتمعها وعلاقاتها مع محيطها.
لهذا فإن أخطر ما تواجهه إسرائيل اليوم قد لا يكون صاروخًا من جبهة جديدة، ولا انتخابات غير محسومة، ولا حتى سقوط حكومة.
أخطر ما تواجهه هو لحظة الانتصار نفسها.
اللحظة التي تنظر فيها إلى ما فعلته، ثم تكتشف أن كل هذا الدمار لم يجب عن السؤال الوحيد الذي لا تستطيع الدبابات الإجابة عنه:
ماذا ستفعل في صباح اليوم التالي؟
وهنا تكون المفارقة الكبرى:
قد تستطيع إسرائيل أن تنتصر في الحرب، لكنها إذا لم تعرف كيف تنهيها سياسيًا، فإنها لن تكون قد خسرت الحرب… بل ستكون قد خسرت معنى الانتصار نفسه.
وربما يكون السؤال الذي يجب أن يُكتب على جدران المنطقة كلها:
إذا كان الانتصار الإسرائيلي يحتاج إلى حرب لا تنتهي… فهل هو انتصار أصلًا؟
م. غسان جابر - الخليل