
















اهلا من المخا إلى باب المندب: رياح الصمت تطوي قلاع الوكالة
بقلم:د. علاء أبوعامر
تعكس التطورات الميدانية الأخيرة في الساحل الغربي لليمن تحولاً دراماتيكياً في موازين القوى العسكرية والجيوسياسية، حيث أعادت السيطرة على الشريط الممتد من الحديدة شمالاً حتى مضيق باب المندب جنوباً رسم خارطة النفوذ في واحدة من أكثر المناطق استراتيجية في العالم. إن التموضع الجديد في مديريات حيس والخوخة، وصولاً إلى مدينة المخا ومينائها ومطارها، وثم ذوباب المطلة على المضيق، لا يمثل مجرد تقدم ميداني عابر، بل يعكس إعادة صياغة كاملة لقواعد الاشتباك وإخفاقاً استراتيجياً كبيراً للقوى المدعومة من التحالف الإقليمي، والتي تراجعت تشكيلاتها العسكرية، بما فيها ألوية العمالقة والمقاومة الوطنية، أمام ضربات منظمة اعتمدت التكتيك العسكري الصامت في السيطرة على المرتفعات الحاكمة وقطع خطوط الإمداد الحيوية.
هذا التقدم الميداني المتسارع زلزل أركان القوى التي كانت تظن أنها أحكمت قبضتها على الأرض برعاية ودعم خارجيين، حيث تهاوت خطوط دفاعاتهم وسط خسائر فادحة في الأرواح والعتاد، ليجد الكثير منهم أنفسهم بين الحصار والأسر أو الفرار. ولم يكن هذا التحول المفاجئ وليد الصدفة، بل كان نتيجة مباشرة للهوة الكبيرة بين الواقع الافتراضي والواقع الحقيقي. فعلى مدار أشهر طويلة، ضجت شاشات الفضائيات ومنصات التواصل الاجتماعي بأخبار الانتصارات الوهمية والتقدم المصطنع، وبناء جدران من الأكاذيب الإعلامية التي حجبت الحقيقة عن العيون.
وفي المقابل، كان العمل على الأرض يجري بصمت مطبق؛ حيث ركز المهاجمون جهودهم على السيطرة على سلاسل الجبال الحاكمة، وقطع الشرايين الحيوية للإمداد، واقتحام المعاقل الحصينة مثل معسكر خالد بن الوليد، مما جعل المدن الساحلية تسقط لاحقاً مثل أوراق الخريف بعد أن عُزلت تماماً. إن التواجد في هذا الممر الضيق والتحكم بالساحل الغربي يمنح صاحبه ورقة استراتيجية لا تُقدر بثمن، ويجعل مفاتيح الحركة الملاحية الدولية في أهم مضايق العالم تحت رحمته، تاركاً للطرف الآخر خيارات أحلاها مر؛ إما مواجهة يائسة محتومة الفشل، أو الاستسلام للأمر الواقع، أو الرحيل.
تثبت الأيام والتحولات على أرض اليمن أن الجغرافيا لا تحابي أحداً، وأن التراب الوطني يلفظ في النهاية كل من لا يتجذر فيه. إن الانتصارات الحقيقية تُكتب بأقدام الثابتين على أرضهم، لا بأقلام المأجورين خلف الشاشات، وستبقى السواحل والمضايق يمنية الهوى والهوية، تحميها السواعد التي لم تساوم يوماً على سيادة بلادها.
لا يمكن للاستعراضات الإعلامية ولا للأموال السياسية أن تشتري نصراً دائماً، فالذين يقتاتون على الوهم ويسيرون في ركاب القوى الخارجية سرعان ما تذروهم الرياح عند أول مواجهة حقيقية. إن التاريخ لا يرحم التابعين، والخزي يلاحق كل من ارتمى في أحضان المحتل وباع ثرى وطنه لقاء وعود زائلة، ليظل النصر حليفاً لمن يملك الأرض والإرادة.