
















اهلا لو أدرنا فلسطين كما نطبخ القدرة
بقلم: المهندس غسان جابر.
في الخليل، هناك شيء غريب يحدث داخل قدر نحاسي.
لحمٌ لا يطالب بمنصب، وأرزٌ لا يطالب بحصة، وسمنٌ لا يطلب تمثيلًا نسبيًا، ونارٌ لا تدخل في خلافات فصائلية، وغطاءٌ لا يعقد مؤتمرًا صحفيًا كل نصف ساعة.
ومع ذلك… تخرج القدرة مستوية.
أما في السياسة الفلسطينية، فلدينا كل المكونات تقريبًا، باستثناء شيء واحد يبدو أن المطبخ السياسي فقده منذ زمن:
الوصفة.
ولذلك، ربما آن الأوان أن نعترف بأن علينا إرسال بعض سياسيينا إلى مطابخ الخليل لدراسة إدارة الاختلاف قبل أن نرسلهم إلى اجتماعات المصالحة.
لا أحد يسأل اللحم: من أنت؟
في القدرة الخليلية، لا أحد يسأل اللحم عن فصيله.
ولا يسأل الأرز: هل أنت فتح أم حماس أم يسار أم مستقل؟
ولا يقول السمن: «أنا تاريخي، ولذلك أريد أن أكون فوق الجميع».
كل مكوّن يعرف وظيفته.
وهنا تحديدًا تكمن الفضيحة السياسية.
فنحن في فلسطين لا ينقصنا المكونات.
لدينا فصائل، ومستقلون، وشباب، ونساء، ونخب، وأكاديميون، ورجال أعمال، ونقابات، وشتات، ومبادرات، ومنتديات، وبرامج انتخابية، ولجان، وهيئات، ومؤتمرات، وبيانات تكفي لتغطية جدران مدينة كاملة.
لكن المشكلة أن كل مكوّن يريد أن يكون الطبق كله.
القدرة لا تحتاج إلى محاصصة
تخيلوا لو اجتمع اللحم والأرز والسمن قبل دخول القدر، وبدأ كل واحد منهم يطالب بحصته.
قال اللحم:
«أنا المكوّن الرئيسي.»
رد الأرز:
«لكنني الأكثر عددًا.»
اعترض السمن:
«من دوني لن يكون للطعام طعم.»
وتدخل القدر:
«أنا الإطار الذي يجمعكم، وبالتالي أنا صاحب القرار.»
ثم قالت النار:
«ومن دوني لن ينضج أحد.»
ثم بدأ الجميع يتحدث عن الشرعية التاريخية، والتمثيل، والأقدمية، والحقوق المكتسبة، والمواقع القيادية.
بعد ساعتين…
لا قدرة.
وهذا تقريبًا ما فعلناه بالسياسة الفلسطينية.
حوّلنا الوطن من مشروع إلى محضر اجتماع.
حتى صاحب القدرة اختلفوا عليه!
والطريف أن القدرة نفسها لم تنجُ من السياسة الفلسطينية.
حتى في روايات أصلها التاريخي، هناك اختلاف حول صاحب البداية؛ فبعض الروايات المنشورة تنسب ظهورها في عشرينيات القرن الماضي إلى الحاج محمد القصراوي، بينما تنسب مصادر تراثية الرواية إلى الحاج إسحق سارة القصراوي، مع روايات أخرى تتحدث عن أدوار لعائلات خليلية أخرى في تطور الطبق وانتشاره.
وهنا المفارقة التي تستحق التوقف:
اختلفوا على من اخترع القدرة… لكنهم لم يختلفوا على أكلها.
أما نحن، فنختلف على من اخترع الفكرة، ومن يملكها، ومن يمثلها، ومن يترأسها، ومن يضع اسمه أولًا، ومن يملك تاريخها، ومن يملك شرعيتها…
ثم نختلف حتى على من يحق له أن يختلف!
والنتيجة أن الطبق الفلسطيني السياسي يبقى على النار سنوات…
ولا ينضج.
السر ليس في القدر
قد يظن البعض أن سر القدرة في القدر النحاسي.
ليس تمامًا.
فالقدر مجرد وعاء.
والسر في توازن المكونات، وترتيبها، والنار، والصبر.
وهذه بالضبط هي الأشياء التي نفتقدها سياسيًا.
نريد دولة بلا ترتيب.
ووحدة بلا تنازلات.
وإصلاحًا بلا ثمن.
وانتخابات بلا منافسة حقيقية.
وتجديدًا بلا خروج من المقاعد القديمة.
وشبابًا في الواجهة… بشرط ألا يقتربوا كثيرًا من المطبخ.
نريد كل شيء.
لكننا لا نريد دفع ثمن الطبخ.
المشكلة أن السياسي الفلسطيني يفتح الغطاء كثيرًا
في مطبخ القدرة، هناك قاعدة يعرفها كل من يفهم الطبخ:
لا تفتح الغطاء كل دقيقة.
لأنك لا تساعد الطبخة.
أنت تفسدها.
أما في السياسة، فقد أصبح فتح الغطاء جزءًا من العملية السياسية نفسها.
مشروع لم ينضج؟ بيان.
تحالف لم يكتمل؟ تسريب.
قائمة لم تتفق؟ أسماء.
اجتماع لم ينتهِ؟ رواية عن الاجتماع.
ثم نبدأ بتشريح الطبخة قبل أن تدخل النار أصلًا.
ولذلك أصبح الفلسطيني يعرف أخبار المفاوضات السياسية أكثر مما يعرف نتائجها.
السياسة الفلسطينية تحتاج إلى «نار»… لا إلى مزيد من البهارات
لدينا كمية هائلة من البهارات السياسية:
شعارات.
مفردات وطنية.
تاريخ.
تضحيات.
خطابات.
صور.
رموز.
بيانات.
لكن البهارات لا تصنع وجبة.
كما أن رفع الصوت لا يصنع دولة.
ولا كثرة الحديث عن الإصلاح تعني إصلاحًا.
ولا كثرة الحديث عن الوحدة تعني وحدة.
ولا كثرة الحديث عن الشباب تعني أن الشباب أصبحوا شركاء في القرار.
وهنا يجب أن نقولها بصراحة:
الوطن لا يُدار بالبهارات الوطنية وحدها.
الوطن يحتاج إلى مؤسسات.
وقانون.
ومساءلة.
وتداول للسلطة.
وتضارب مصالح مضبوط.
ومشروع اقتصادي.
وقضاء مستقل.
وإدارة تعرف الفرق بين المال العام والمال السياسي.
وأن يعرف المسؤول متى يأتي… والأهم متى يرحل.
في القدرة، النار ليست عدوًا
النار في القدرة ليست المشكلة.
المشكلة أن لا أحد يعرف مقدارها.
وهكذا السياسة.
الاختلاف ليس مشكلة.
الخلاف ليس مشكلة.
حتى الصراع السياسي ليس بالضرورة مشكلة.
المشكلة حين يتحول الاختلاف إلى حريق، وحين تصبح النار وسيلة لإلغاء المكونات الأخرى بدل إنضاجها.
الديمقراطية ليست أن نتفق جميعًا.
الديمقراطية أن نختلف دون أن نحرق القدر.
وأن نعرف أن خسارة الانتخابات ليست خسارة الوطن.
وأن المعارضة ليست خيانة.
وأن الفوز لا يمنح صاحبه ملكية فلسطين.
تخيلوا فلسطين كقدرة كبيرة
ضعوا فيها كل شيء:
الخليل.
غزة.
القدس.
الضفة.
المخيمات.
الشتات.
الشباب.
النساء.
الأسرى.
عائلات الشهداء.
رجال الأعمال.
المزارعين.
العمال.
المثقفين.
الفصائل.
المستقلين.
ثم ضعوا فوق الجميع غطاءً واحدًا اسمه:
المصلحة الوطنية.
بعدها أشعلوا نارًا اسمها:
المؤسسات.
واتركوا الطبخة تنضج.
لا أحد فوق الآخر.
ولا أحد يملك القدر وحده.
ولا أحد يحق له أن يأكل قبل الآخرين.
هذه هي الدولة التي نريدها.
ليس دولة يتنافس فيها الجميع على الغطاء، بينما يبقى الشعب تحت القدر.
ومن هنا يبدأ السؤال الحقيقي
ربما آن الأوان أن نتوقف عن السؤال:
من سيقود المرحلة؟
ونسأل:
ما هي الوصفة التي ستقود فلسطين إلى المرحلة؟
لأن الفرق كبير.
الأشخاص يتغيرون.
الفصائل تتغير.
التحالفات تتغير.
لكن الدولة التي لا تملك وصفة واضحة ستظل تنتظر طاهيًا جديدًا كل مرة.
ونحن لا نحتاج إلى طاهٍ جديد.
نحتاج إلى مطبخ سياسي جديد.
مطبخ لا تكون فيه الوطنية شهادة ملكية.
ولا النضال صكًا دائمًا في السلطة.
ولا الانتخابات عملية لتدوير المقاعد.
ولا الشباب ديكورًا انتخابيًا.
ولا المستقلون مجرد أرقام عند الحاجة.
مطبخ يعرف أن فلسطين أكبر من الجميع.
وهنا المفارقة التي لا نحب سماعها
في الخليل، إذا احترقت القدرة، لا يلوم الناس اللحم.
ولا الأرز.
ولا السمن.
ولا القدر.
يبحثون عن الشخص الذي لم يعرف كيف يدير النار.
أما في السياسة الفلسطينية، فعندما تحترق الطبخة، نبحث عن فصيل نلومه، أو خصم نهاجمه، أو مؤامرة نفسر بها الفشل.
وننسى السؤال الأصعب:
من كان يمسك النار؟
لهذا ربما يكون الدرس الخليلـي البسيط أقسى من كل خطابات الإصلاح:
فلسطين لا تحتاج إلى مزيد من الطهاة… فلسطين تحتاج إلى من يعرف متى يضع النار، ومتى يرفعها، ومتى يطفئها، ومتى يترك القدر مغلقًا حتى تنضج الطبخة.
أما إذا ظل كل سياسي يريد أن يكون اللحم والأرز والسمن والقدر والغطاء والفرن في آن واحد…
فلا تلوموا الشعب إذا اكتشف يومًا أن المشكلة لم تكن في نقص المكونات.
المشكلة كانت في المطبخ.
م. غسان جابر - الخليل