
















اهلا يا معلمتي _1_
إجا الذيب!
عفيفة مخول خميسة – معليا
قبل عشر سنوات قالولي: ليه موجّعه راسك؟ شو طالعلك؟ وقد عرفوا أنني أعدّ متوالية من الملاحظات، لأُقدّمها على جرعات إلكترونيّة كافية لتمكين المبتدئين من بناء علاقة سويّة مع لغة الضاد. بقراءة في النظرات الجانبيّة ينعكس المقروء على القرّاء حوَلًا رؤيويًّا، والتعليق ارتجالًا.. لم أُفنّد، واكتفيت بردّ مقتضب: لأنني فاشله بعلم التسويق! فلت الجواب، وخشيت أن يُفسّر على أنّ المقصود تسويق لبضاعة، بينما أقصد التسويق للفكرة. فكرة حماية اللغة دفاعًا استباقيًّا عن الانتماء بالمطلق.
كان التعبير عن التسويق في حينه أعرج لا يمسّ تراب الواقع بقدر ما ينحرف عنه. وكان الأصحّ القول: علم تقنيّات النشر. أمّا منشار الزمن فيفعل فعله، ويجعل أيّ تعبير بهذا الخصوص كسيحًا. لكنّ منشار الإرادة أيضًا يفعل فعله، ويدفعني بقوّة مضاعفة للدفاع عن عقيدة مطيّنة بتراب انتمائي لصوت أُمي، مطيّبة بلسان أبنائها.
وكان ذيب ثمانينيّات القرن الماضي قد وصل حظائرنا أيلولًا "يتقمّز" بكعب المسمار العالي، وباشر بتعليم خرافنا أساليب الرقص مع الحداثة.. وكانت احتفاليّة خريفيّة مبهرة، بدأت بتجفيف شعيرات اللغة العربيّة تقديدًا ممنهجًا، وانتهت بافتراسها افتراسًا استراتيجيًّا متدرّجًا حتى وصل المنشار إلى العظم!
أربعون عامًا صحراويًّا ونحن نزحف خلف الرغيف العويص، والحرف العويص واللغة العويص... والنتيجة انتماء عويص، فقد اهتزّت قاعدة الهرم اهتزازة خدّرت جيلًا كاملًا عن الإحساس بلذة تراب، هواء وماء لغة أُمّه. وهي ثالوث مقدس يجمع ما بين الطعم واللون والرائحة والصوت. ولم يبقَ منها غير الصدى قيمة إضافيّة تساوي ثروة أدبيّة وأخلاقيّة وعاطفيّة تشهد على فرادة دمغة الفّن العربيّ المكتوب.
أربعون عامًا من التيه الثقافيّ ورحلة البحث عن الحريّة تشطّ بنا بعيدًا عن محور الأُمّ لمّامة كلّ أشكال وأوزان الانتماءات، وكلّ ألوان جواهر الحياة. تآكل مقلق ينسحب على المتلقين واقعًا معتمًا، فشتاتًا يحتّم على كلّ معنيّ بالنور إشعال سراجه.
وهذا ما سيضطرّنا لدفع الفلس مع الضريبة المضافة. فلا بأس؛ فلس مني، فلس منها، منك ومنه يمكن تحقيق حالة من الاعتدال تضمن تأجيل السقوط في أتون الجهل الحسابيّ، ولو مرحليًا. فالزمن يعوّل علينا بإنشاء جيل يرفض استعباد فكره وعواطفه. فلا أخطر على مستقبل انتمائنا من سدّ ثغرات الفلسفة الروحيّة الراكدة في مساطب اللغة. وهذه تستحقّ السهر والتضحية.. فإنّ استغباءنا واستدراج أبنائنا لعمليّات تجميل آليّ يوقعهم بكذبة زمنيّة مزخرفة تسهّل اغتصابهم بالجملة والمفرّق.
"مالك ومال هالشغلة! بدّك شاقوف تتفتحي الحيط.. صار الباطون يابس، والمنهاج صار مخلّل ومكدوس!" لكنّ أرخميدس قد زعم، بالحساب العلميّ، أنّه يستطيع نقل الكرة الأرضيّة من مكانها ببكّرة ورافعة مثبّتة خارج مدارها!
فالدفاع عن المذهب الثقافيّ عمل إيمان جبّار لا يمرّ عبر أنفاق تبادل المصالح مع الإدارة السماويّة. وادّخار أجرة لدخول حرم الحياة الكريمة أوْلى باهتمامنا. والكلفة لا تتعدّى عقلًا حرًّا يستشعر جمال الفكر، ونفسًا محبّة تستشعر فكر الجمال. فما بين الهواء والهوى سوى همزة تدفع نحو فهم ما خلف شويكات "ذوات العلل" من أسرار استكشاف الفروق بين علم مجرد ومعرفة تتنفّس هواءً وتهوى جمالًا.
يتبع...
(أمّا ذوات العلل فهي رافعة وبكَرة لا يتحكّم المنهاج في حركتها، وهي: أحرف العلّة وبناتها الحركات، التاءان المفتوحة والمربوطة، النون والتنوين، الشدّة، الأحرف الشمسيّة والقمريّة والهمزة).