
















اهلا- د.ناضل حسنين الكلمة السحرية التي أخرجت الجميع من المأزق
لا إقالة. لا فصل. لا نزع ثقة. لا حتى تعليق عضوية، فهذا فيه من الصرامة ما لا تحتمله معدة البيت الداخلي. هناك، أنجب المجلس العام للجبهة مصطلحا جديدا يستحق أن يدرس في أقسام اللغة قبل أقسام العلوم السياسية: "تعليق الترشيح". عبارة لا تقصي أحدا، ولا تبقيه، بل تعلقه في الهواء، كصورة على حائط لم يتم اتخاذ قرار بشأنها بعد، إن كانت تستحق الإطار أو اخفاءها في الدولاب.
لم يتم اقصاء جعفر فرح بل تم "تعليق ترشيحه"، والفارق بين الكلمتين، كما تعلمنا هذه الأيام، ليس فارقا لغويا عابرا، بل هو الأزمة كلها، مضغوطة في مقطعين صوتيين. فمن يصوغ القرار بهذه الدقة الجراحية لا يبحث عن العدالة، بل عن صيغة ترضي الجميع ولا تغضب أحدا، وهذا بالضبط تعريف السياسة حين تتحول إلى فن تجنب الاصطدام لا فن اتخاذ الموقف.
فهل هذا تشكيل سياسي أم مركز للعلاج باللغة؟ وهل تدار الأزمات الداخلية بالمواقف أم بمعاجم المرادفات؟ وهل يكفي أن نبدل "الإقالة" بـ"التعليق" حتى نقنع أنفسنا أن شيئا لم يحدث، بينما الجميع يعرف أن كل شيء قد حدث؟
القيادة، في اللحظة الأخيرة، أغلقت باب الشهادات والتفاصيل، لأنها تعرف أن الحقيقة، إن دخلت القاعة، لن تخرج منها بسلام. فالصمت هنا ليس حكمة، بل هدنة مؤجلة الدفع، والجميع يوقع عليها وهو يعلم أن الفاتورة قادمة لا محالة. لا أحد يريد الحرب، لكن لا أحد يريد السلام الحقيقي أيضا، فالسلام يستلزم مواجهة، والمواجهة تكشف من كان على حق، وهذا بالضبط ما يخشاه الجميع أكثر من الانقسام نفسه.
وجعفر، الذي قرأ المشهد بعين السياسي لا الضحية، يعرف أن "التعليق" أفضل من "الإخراج النهائي"، فالأوراق التي تبقى في الجيب، ولو معلقة، أفضل من أوراق أُحرقت في العلن. هكذا تصبح الهزيمة المؤجلة انتصارا مؤقتا، وتصبح اللغة، لا الموقف، هي البطل الحقيقي لهذه الحكاية.
والسؤال الذي لم تجب عنه بيانات القيادة، ولن تجيب عنه أبدا: هل تمت معالجة الأزمة، أم تم تخديرها فقط ؟
الجواب لن يأتي من قاعة المجلس العام للجبهة، بل من صناديق الاقتراع، حيث لا تنفع المرادفات، ولا أحد يقبل الكلمات كأوراق اقتراع. هناك، وهناك فقط، سيكون الاستفتاء على "التعليق". فإلى متى يمكن لكلمة أن تبقي شخصية سياسية معلقة بين السقف والأرض، وهل ستحسم الجاذبية أمرها في نهاية الأمر؟