
















اهلا الأبواب التي لا تُفتح… والخير الذي لا يضيع
بقلم: رانية مرجية
ثمة خيرٌ نفعله في الحياة، ولا نرى له ثمرة.
نمدّ يدًا، ثم تعود إلينا فارغة.
نمنح قلبًا، فيقابلنا الجحود.
نقف إلى جانب أحدهم في عتمته، ثم حين تأتي عتمتنا، لا نجد أحدًا.
وفي لحظات كهذه، يمرّ سؤالٌ صامت في أعماقنا:
هل كان يستحق كل هذا؟
ربما كان السؤال نفسه في غير موضعه.
فالخير ليس صفقةً نعقدها مع الحياة، ولا دينًا ننتظر من الآخرين سداده. الخير، في أنقى صوره، هو أن تختار ألّا تسمح لما آلمك أن يغيّر جوهرك.
أن تُجرح ولا تصبح جارحًا.
أن تُخذل ولا تتعلم الخذلان.
أن تُقابل بالقسوة ولا تجعل القسوة لغتك الجديدة.
هناك لحظة في نضج الإنسان يدرك فيها أن قيمة ما يفعله لا يحددها ردّ الآخر عليه.
قد لا يعرف أحد قيمة يدك التي امتدت إليه، لكن ذلك لا يجعلها أقل كرمًا.
وقد ينسى أحدهم وقوفك إلى جواره، لكن النسيان لا يمحو حقيقة أنك كنت هناك.
فالخير لا يفقد معناه لأن أحدًا لم يعرف كيف يستقبله.
ولعل أجمل ما في الخير أنه يبدأ من حيث ينتهي الحساب.
أن تعطي دون أن تجعل الآخر مدينًا لك.
أن تسامح دون أن تجعل غفرانك قيدًا جديدًا.
أن ترحم دون أن تقف فوق من ترحمه.
أن تحب دون أن تحوّل الحب إلى امتلاك.
في ذلك شيء من النعمة؛ شيء من العطاء الذي لا يقوم على الاستحقاق، بل على فيض القلب.
وربما لهذا كان الخير، في جوهره، فعلًا من أفعال الحرية.
فالإنسان الذي يؤذيك يستطيع أن يترك جرحًا فيك، لكنه لا يستطيع أن يقرر ماذا ستفعل بهذا الجرح.
يمكنك أن تحمله كمرارة، أو تحوّله إلى حكمة.
يمكنك أن تجعله سببًا لقسوتك، أو سببًا لفهمك لضعف الآخرين.
وهنا، ربما، تكمن إحدى أعظم انتصارات الإنسان:
أن يمرّ به الألم، دون أن يتحول هو إلى ألمٍ للآخرين.
لكن الحياة لا تختبرنا بالخير وحده.
تختبرنا أيضًا بالأبواب المغلقة.
بذلك الباب الذي طرقناه طويلًا، وظننا أن وراءه مستقبلنا.
دعونا، وانتظرنا، وبذلنا ما نستطيع، ثم ظل مغلقًا.
في البداية نظن أن الله لم يسمع.
ثم نغضب.
ثم نحزن.
ثم نسأل:
لماذا؟
لماذا لم يحدث ما تمنيناه، رغم كل ما بذلناه؟
ولماذا يُفتح لغيرنا الطريق الذي ظل مغلقًا أمامنا؟
ولماذا يبدو أحيانًا أن السماء صامتة في أكثر اللحظات التي نحتاج فيها إلى جواب؟
ربما لأننا نطلب من الله أحيانًا أن يشرح لنا الطريق، بينما الإيمان الحقيقي يعلّمنا أن نثق به ونحن لا نرى الطريق كله.
الإيمان ليس أن تفهم كل ما يحدث؛ بل أن تظل قادرًا على الثقة وسط ما لا تفهمه.
أن تقول، في أعمق نقطة من حيرتك:
أنا لا أعرف لماذا… لكنني لا أعتقد أنني متروك.
وهذه ليست إجابة سهلة.
بل ربما هي من أصعب الإجابات التي يستطيع القلب أن يصل إليها.
نحن نرى الباب.
أما الله، فنؤمن أنه يرى ما وراءه.
نحن نرى ما نريده الآن، بينما يمتد علمه إلى ما لا نراه من غدنا.
ولهذا، ليس كل باب مغلق حرمانًا.
أحيانًا يكون المنع رحمةً لا نفهمها إلا بعد سنوات.
وأحيانًا يكون التأخير حمايةً من شيء كنا سنندم على وصوله.
وأحيانًا تنتهي علاقة كنا نظن أنها وطن، لنكتشف أنها كانت المكان الذي تعلمنا فيه كيف نعود إلى أنفسنا.
وقد يسقط حلمٌ كنا نراه خلاصنا، لأن الله كان يعرف أن خلاصنا ليس هناك.
نحن، في لحظة الألم، نقرأ الأحداث من داخلها.
أما الحكمة، فكثيرًا ما لا تظهر إلا حين نخرج منها.
كم من شيء بكينا عليه لأننا لم نحصل عليه، ثم شكرنا الله لاحقًا لأنه لم يمنحنا إياه.
وكم من بابٍ ظنناه فرصةً ضائعة، ثم اكتشفنا أن إغلاقه كان أحد أشكال النجاة.
ومع ذلك، لا يعني الإيمان أن ننتظر الأبواب وهي تُفتح وحدها.
فالله لا يلغي دور الإنسان.
نحن مطالبون بالسعي، بالمحاولة، بالطرق، وبالقيام بعد كل سقوط.
التوكل ليس أن تتخلى عن مسؤوليتك، بل أن تبذل ما تستطيع دون أن تجعل النتيجة معبودك الجديد.
اطرق الباب.
افعل ما تستطيع.
اسعَ.
ثم، حين لا يُفتح، تعلّم أن تترك لله مساحةً لا تملكها أنت.
فربما لم يكن المطلوب أن تفتح ذلك الباب.
ربما كان المطلوب أن تكتشف أن حياتك أوسع منه.
ولعلنا نخطئ حين نتصور أن العوض يجب أن يشبه ما فقدناه.
نريد الشخص نفسه.
والفرصة نفسها.
والحلم نفسه.
والطريق نفسه.
لكن الله، حين يعوّض، لا يعيد إلينا الأشياء بالضرورة؛ أحيانًا يعيد إلينا المعنى الذي كنا نبحث عنه من خلالها.
قد لا يعيد الشخص، لكنه يمنحك سلامًا لم تكن تعرفه.
قد لا يعيد الفرصة، لكنه يفتح لك طريقًا لم تكن تراه.
قد لا يعيد الحلم، لكنه يريك حلمًا أكثر صدقًا معك.
وقد لا يغيّر الظروف من حولك، لكنه يغيّر شيئًا فيك، فتكتشف أنك لم تعد الشخص الذي كانت الظروف قادرة على كسره.
وهذا، في أحيان كثيرة، عوضٌ أعظم مما طلبنا.
ثم هناك الخير…
ذلك الخير الذي نظنه قد ذهب هباءً.
لا شيء منه يضيع حقًا.
قد لا يعود من الجهة التي أعطيته منها.
وقد لا يأتي في الصورة التي تخيلتها.
لكنه يترك أثره في مكان ما.
ربما في روح إنسان لن تعرف قصته كاملة.
ربما في طفل يتعلم من موقفك معنى الرحمة.
ربما في شخص كان على حافة اليأس، فأنقذته منك كلمة صغيرة لم تعرها اهتمامًا.
وربما يعود إليك في صورة لا تشبه «المكافأة» أصلًا:
في قلبٍ أكثر هدوءًا.
في ضميرٍ لا يثقل صاحبه.
في قدرة على النوم دون أن تندم على أنك كنت قاسيًا.
في أن تبقى قادرًا على الحب، بعد أن كان من السهل جدًا أن تكره.
هذا النوع من العوض لا تلتقطه الحسابات.
لكن الروح تعرفه.
ولذلك، لا تجعل جحود الآخرين يعيد تعريف الخير في داخلك.
لا تتوقف عن العطاء لأن أحدهم لم يشكرك.
ولا تندم على قلبك لأن أحدهم لم يعرف قيمته.
فالإنسان لا يصبح كريمًا لأن الآخرين يستحقون كرمه دائمًا، وإنما لأنه اختار الكرم جزءًا من شخصيته.
افعل الخير، ثم اتركه.
لا تقف عند الباب تنتظر أن يعود إليك.
فما يُزرع في الخفاء قد ينبت في مكان لم يخطر لك.
وما تضعه اليوم في قلب إنسان، قد يصبح غدًا جزءًا من نجاة إنسان آخر.
نحن لا نعرف أين تنتهي آثار أفعالنا.
وربما لهذا، حين تغلق الحياة بابًا في وجوهنا، علينا ألّا نسارع إلى تسميته نهاية.
بعض النهايات ليست إلا تغييرًا للاتجاه.
وبعض الخسارات ليست فقدًا، بل استردادًا لشيء كان يجب أن يعود إلينا:
أنفسنا.
وبعض الأبواب المغلقة لا تقول:
«لن تصل.»
بل تقول، بطريقة لا نفهمها في البداية:
«ليس من هنا.»
وهذه العبارة وحدها يمكن أن تغيّر علاقتنا بكل ما فقدناه.
فليس مطلوبًا من الإنسان أن يفهم تدبير الله كله.
يكفي أن يعرف أن عدم فهمه ليس دليلًا على غياب الله.
ربما ستأتي لحظة، بعد سنوات، تنظر فيها إلى حياتك من مسافة أكثر هدوءًا.
ستتذكر الباب الذي بكيت أمامه.
والحلم الذي لم يكتمل.
والشخص الذي رحل.
والدعاء الذي ظننته تأخر.
وستكتشف أن الأشياء لم تكن منفصلة كما بدت لك يومها.
أن يدًا خفية كانت تعيد ترتيب التفاصيل.
أن ما حسبته عثرةً كان أحيانًا تحويلًا للمسار.
وأن الله لم يكن غائبًا في تلك الفصول التي ظننت فيها أن السماء صامتة.
كان حاضرًا…
لكن حضوره لم يكن دائمًا في صورة فتح الباب.
أحيانًا كان حضوره في منعك من دخوله.
لهذا، لا أخاف كثيرًا من الأبواب المغلقة كما كنت أفعل من قبل.
أعرف الآن أنني لا أرى القصة كاملة.
وأعرف أن ما أريده ليس دائمًا ما أحتاجه.
وأعرف أن الخير الذي أزرعه ليس ملكًا لي بعد أن أزرعه.
عليّ فقط أن أفعل ما أستطيع، بنية صادقة، ثم أمضي.
فإن فُتح الباب، دخلت بامتنان.
وإن بقي مغلقًا، حاولت أن أتعلم لماذا كان عليّ أن أتوقف.
وإن تأخر العوض، لم أعتبر التأخير نسيانًا.
وإن جاء العوض مختلفًا عما تمنيت، حاولت أن أراه بعين جديدة.
لأنني تعلّمت شيئًا واحدًا:
أن الله لا يدير حياتنا وفق استعجالنا، بل وفق ما يعرفه عنا أكثر مما نعرفه عن أنفسنا.
ولهذا…
ازرع الخير، حتى حين لا ترى الحصاد.
سامح، حين يكون الغفران تحريرًا لا استسلامًا.
اسعَ، حين يكون السعي ممكنًا.
وتوقف، حين يصبح التوقف حكمة.
وإذا أُغلق بابٌ أمامك، فلا تقف طويلًا أمامه تسأل لماذا لم يُفتح.
ربما يكون الله قد أغلقه، لا ليحرمك من الوصول…
بل ليمنعك من أن تصل إلى المكان الخطأ.
وربما كان الباب الذي تنتظره ليس وراءك أصلًا.
ربما هو أمامك، في طريق لم تسلكه بعد.
وربما حين تصل إليه، ستفهم أن بعض الأبواب لم تُغلق في وجهك…
بل أُغلقت من أجلك.
وعندها لن يكون أجمل ما تقوله:
«عاد إليّ كل الخير الذي فعلته.»
بل شيئًا أعمق:
«لقد حفظ الله في قلبي القدرة على أن أفعل الخير، رغم كل ما كان يمكن أن يحوّلني إلى إنسان آخر.»
فهذا، في النهاية، قد يكون أعظم العوض:
أن تخسر أشياء كثيرة… ولا تخسر نفسك.
وأن تُغلق في وجهك أبواب كثيرة… ولا يُغلق قلبك.
وأن تمرّ بك الحياة بكل ما فيها من خيبات،
ثم تظل قادرًا على أن تؤمن،
وأن تحب،
وأن تعطي،
وأن تقول بهدوء من عرف شيئًا عن سرّ الطريق:
ما لم يُفتح لي، لم يكن بالضرورة رفضًا من الله…
وربما كان، في أكثر اللحظات التي لم أفهمها، رحمته بي.
رانية مرجية