
















اهلا حين تبحث الدولة عن مواطنيها.. بقلم د.ناضل حسنين
حين انقطع الاتصال بالمواطنتين الإسرائيليتين ملي وليئيل ياهلومي في براغ، لم يمر يوم قبل أن تتحول القضية إلى حالة طوارئ أمنية عابرة للحدود. الأم في الخمسين وابنتها في الثالثة والعشرين، وصلتا إلى براغ ثم فيينا، فاختفى أثرهما فور مغادرة الفندق.
ما لبثت دائرة البحث أن اتسعت: الشرطة النمساوية تدخل على الخط، مركز قيادة في فيينا، وحدة لاهف 433 وشعبة الاستخبارات تقود التحقيق بتعليمات مباشرة من المفتش العام للشرطة داني ليفي، ومنظمة "حباد" في عدة دول أوروبية واليوروبول، والكل يفتح ملفا للقضية، وغرف قيادة تعمل ليلًا نهارًا، ومئات الإجراءات التتبعية تتم في وقتٍ قياسي.
ولم تكتف الصحافة بالمتابعة، بل فتحت أبوابها لكل قريب وجار وزميل عمل، حتى تحولت القضية إلى الشغل الشاغل للرأي العام الإسرائيلي طوال أيام البحث.
في البداية كانت كل الاحتمالات مطروحة: جريمة، حادث، اعتداء على خلفية معادية للسامية، أو هروب طوعي. لكن المؤشرات سرعان ما اتجهت نحو الحقيقة الأخيرة: غادرتا بإرادتهما. من التشيك الى النمسا ومنها إلى ألمانيا، ومن ألمانيا الى خارج أوروبا، حتى وصل خيط التحقيق إلى أميركا الجنوبية.
وفي الأرجنتين، تحديدًا على متن حافلة ركاب في بوينس آيرس، تم العثور عليهما بخير وسلام. وصل إليهما ممثل الشرطة الإسرائيلية يحدثهما بالعبرية، قبل أن تتولى الشرطة المحلية استجوابهما. الجواب الرسمي كان قاطعًا: لا شبهة جنائية، ولا خطر على الحياة، اختفاء طوعي لا أكثر.
بلغة الأرقام والجغرافيا: دولة كاملة، بأجهزتها الاستخباراتية وبشراكاتها الدولية، تتبعت أثر مواطنتين عبر قارة كاملة، حتى وصلت إليهما جالستين في حافلة على الطرف الآخر من العالم. وبالطبع، هذا هو واجب الدولة.
فالمواطن الذي يقع في مأزق خارج حدوده لا ينبغي أن يترك وحده، وعائلته تستحق أن تعرف مصيره، ودولته مطالبة بأن تبذل كل ما في وسعها.
لكن هذه الحكاية تعيد إلى الذاكرة حكاية أخرى، لمواطنة إسرائيلية أيضًا، عربية هذه المرة.
في أكتوبر/تشرين الأول 2019، سيدة من باقة الغربية في رحلة منظمة إلى باريس، تاهت عن مجموعتها قرب الشانزليزيه. لا هروب، لا قرار بالابتعاد، لا محاولة لإخفاء الأثر. امرأة ضلت طريقها فحسب. وبقيت تائهة في شوارع باريس أكثر من عامين ونصف العام، مشردة بين الأرصفة والحدائق العامة، حتى قادتها المصادفة إلى امرأة لبنانية تعمل في جمعية للمعونات الإنسانية تقدم الطعام للمشردين في الشوارع. لاحظت أنها عربية لا تتقن الفرنسية، فأخذت تحدثها حتى انكشفت هويتها، وبعدها فقط بدأ التواصل مع الجهات الفرنسية والإسرائيلية، وانتهت رحلة الضياع الطويلة بعودتها إلى عائلتها.
وهنا تقف المفارقة عارية لا تحتمل تأويلًا. يهوديتان ينقطع الاتصال بهما في أوروبا، فتتحرك منذ الساعة الأولى أجهزة وغرف قيادةٍ ومنظمات شرطية دولية، وتمتد عملية البحث حتى أميركا الجنوبية. وفي المقابل، مواطنة عربية تحمل الجواز الإسرائيلي نفسه تتيه في باريس، لا تختفي بإرادتها ولا تختبئ، فتقضي أكثر من ثلاثين شهرًا في الشارع، حتى تنقذها امرأة لبنانية بالمصادفة، لا أجهزة الدولة ولا سفاراتها.
السؤال إذن محتوم: هل يكون القلق على حياة المواطن الإسرائيلي في الخارج متساويًا حين يكون يهوديًا وحين يكون عربيًا؟ وهل كان تخوف "الاعتداء على خلفية معادية للسامية" وحده ما يبرر ذلك الاستنفار الموسع، بينما يترك المواطن العربي لمصيره ما دام اختفاؤه لا يحمل في ظاهره خلفية أمنية تستحق الانتباه؟
هذا هو السؤال الذي يجب أن نتوقف عنده طويلًا. فالمواطنة لا تتجزأ على أساس قومي، وحاملو الجواز نفسه لا يمكن تصنيفهم على أساس عرقي، والانتماء القومي لا ينبغي أن يكون الميزان لمقدار الجهد الذي تستحقه حياة الإنسان حين يقع في مأزق بعيدًا عن بلاده.
فإذا كانت الدولة قادرة على أن تطارد أثر مواطن حتى حافلة في بوينس آيرس، فلماذا عجزت عن أن تصل إلى مواطنة أخرى تائهة في شوارع باريس؟
هذه ليست مسألة مواطنة من الدرجة الأولى وأخرى من الدرجة الثانية فحسب، إنها السؤال الجذري عن معنى المواطنة نفسها والعنصرية المبطنة.