
















اهلا في اسرائيل: دعوات لتهويد الجهاز الطبي بعد بضعة أيام سوف يطوي النسيان حادثة مستشفى "رمبام" وكأنها لم تكن. سوف ننساها لا "كمصرع طائر أو ككنيسة مهجورة" مثلما حكت قصيدة الدرويش، بل ربما كطعنة في خاصرة عجزنا أو جهلنا، أو ، ربما، ككبوة أخرى على طريق الندم والتيه. لقد بدأت القضية عندما نشر أخو جندي يهودي يعالَج في المستشفى بأن أخاه، ومعه ثلاثة جنود آخرون مصابون، رقدوا في غرفة العلاج المكثف. وفي الليل، عندما فتحوا أعينهم وجدوا أنهم محاطون بطاقم طبي عربي وأبواب الغرفة مغلقة؛ وكان أخوه يتوسل لشربة ماء لم ينلها. أجرت ادارة مستشفى رمبام الحيفاوي، كما ينبغي في حالة ورود مثل هذه الشكوى، تحقيقًا، ونفت في أعقابه ادعاءات عائلات الجنود، وأعلنت دعمها الكامل للطاقم الطبي العربي. لا يمكن التعاطي مع ما جرى بعد نشر هذا الاعلان كحدث تحريضي عادي أو مجرد تبلّ على طبيب عربي وطاقمه التمريضي؛ فبعد النشر، وقبل أن يتحقق أحد من صحته، بدأت قطعان المحرضين اليمينيين بمشاركة المنشور على جميع المنصات الإلكترونية، حتى ملأ "طنين الذباب الالكتروني" فضاء الدولة. وكان من أوائل المعقبين الرسميين وزير الجيش الاسرائيلي يسرائيل كاتس، الذي لم ينتظر ما سوف تقوله ادارة المستشفى، ونشر بيانا وصف فيه ما جرى "بالخطير" ويستوجب "اتخاذ خطوات متشددة بحق المسوؤلين عنه". أما وزير الأمن الداخلي اياه، ايتمار بن غفير، فوصف ما حدث "بالفضيحة الخطيرة" التي يجب أن تقلق كل مواطن في اسرائيل؛ وطالب ادارة المستشفى باجراء تحقيق فوري بدون طبطبة، وبفحص احتمال أن تكون دوافع "الحادث" قومية. في المقابل أصدرت عدة مؤسسات نقابية طبية اسرائيلية بيانات شجبت فيها موجة التحريض على الأطباء العرب. كشف التفاوت بتوقيت نشر ردود الفعل والفوارق بلغتها أن معظم هذه المؤسسات لم تستوعب انعكاسات الحدث وخطورة رواسبه التي ستبقى سموما في تربة الدولة وفي فضاءاتها المخمّرة بالعنصرية. لقد علّمنا التاريخ أن مواجهة مثل هذه الظواهر الفاشية، سواء من قبل ضحاياها المباشرين، أي المجتمع العربي في الداخل، أو من قبل معارضيها اليهود، لن يتم ببيانات شجب عادية كتبها أصحابها بلغة احتجاج غاضبة أو بتبريرية أو اعتذارية أو دفاعية خجولة؛ ولن يتم كذلك، بالتعبير عن دعم تلك المؤسسات والنقابات لطواقم العاملين العرب، والاشادة بمهنيتهم وبتفانيهم، وما الى ذلك من نصوص ترضوية أو تصالحية لن يدوم مفعولها إذا ما قويت أنياب الطاغية ونصب وكلاؤها "أعواد مشانقهم" في المستشفيات وعلى المفارق. يجب أن يكون واضحا للجميع أن اتضاح عدم صحة الشكوى لا علاقة لها بالمشهد الذي تلا اطلاقها؛ وهذا ما يجب أن يخيفنا جميعا، فلقد شهدنا صناعة فرية دموية تقليدية دوّن التاريخ مثلها في عصور أريقت فيها دماء البشر وفق سجلات انتماءاتهم وهويتهم. بدأت الفرية بنشر شكوى نسبت للطاقم الطبي العربي قيامه بالاساءة وبالتنكيل بجنود مصابين يرقدون تحت رعايتهم؛ والجنود/المحاربون يمثلون أقدس التابوهات في تاريخ حروب اليهود، وكم بالحري في أيامنا هذه. تحولت الكذبة بسرعة إلى واقعة ثم الى تهمة مثبتة ليس بحق من كانوا عنوانها وحسب، بل بحق كل الطواقم الطبية العربية في البلاد، ومن خلالهم بحق قومهم/جنسهم كله. لقد انفرد بروفيسور حجاي ليڤين، رئيس "نقابة أطباء صحة الجمهور" في لغة بيان نقابته حين وصف ما يجري "بالفرية الدموية الخطيرة" في إشارة واضحة منه لتداعيات الحدث وضرره المؤكد على جهاز الصحة برمته. ومثله لفت انتباهي ما نشر الفنان الاسرائيلي المعروف بيني برباش على صفحته، عبّر فيه عن تخوفاته من انعكاسات ملاحقة الأطباء العرب بسبب انتمائهم العرقي، محيلا مقاربته لتكوّن بدايات الأجواء السياسية والاجتماعية إبان الحكم النازي. لن تكفي هذه المقالة لشرح ماذا حدث في بداية ثلاثينيات القرن الماضي عندما بدأت ملاحقة الأطباء اليهود العاملين في المانيا وفي النمسا. تعجّ مكتبات الجامعات اليوم بالدراسات التي عالجت موقف المجتمع الألماني ومؤسساته، لا سيّما الطبية، من قضية عمل الأطباء اليهود، وكيف بدأت محاربتهم بأي الأساليب والادعاءات/ الافتراءات، حتى تم اقصاؤهم التدريجي من جميع المؤسسات وحصر عملهم، قبل اقصائهم الكلي عن المهنة، في تطبيب اليهود وغير الآريين. وبحث بعضها الآخر دور وموقف الأطباء الألمان وادارات المؤسسات الطبية في تنفيذ تلك الجريمة. لقد وجدت أثناء بحثي مقالا نشره في اكتوبر 2024 طبيبان باحثان هما جورج وايز وديبورا هيمستريت، تحت عنوان "برنامج إقصاء أصحاب المهن الطبية، وأيديولوجيا ودوافع الأطباء النازيين" في مجلة مستشفى رمبام الطبية العالمية، (Rambam Maimondes Medical Journal). دهشت من تلك المفارقة، فهل يعقل أن تغيب تفاصيل ذلك التاريخ عن أذهان أحفاد هؤلاء الأطباء، خاصة عن أذهان عاملي وإدارة مستشفى رمبام راعي تلك المجلة. وقبل أن يشطح ذهن القراء العرب ويذهبون بعيدا، أقول أنه لا يجوز مقارنة الجرائم التي اقترفها النازيون بحق أبناء الشعوب غير الآرية وبضمنهم اليهود، مع ما يجري في هذه الأيام داخل اسرائيل، حتى وإن استحضرنا جرائم الاحتلال بحق الشعب الفلسطيني في غزة وفي الضفة الغربية. لا تجوز لنا المقاربة ولا المقارنة بين النظامين، بيد أن بعض الباحثين والأكاديميين، يهودا وغير يهود، بدأوا يشيرون إلى تلك التغييرات الجذرية في مفاهيم السياسة الاسرائيلية الرسمية وترجمتها لبنى تشريعية عنصرية بالغة الخطورة ولممارسات عسكرية عدوانية ومؤسساتية اضطهادية غير مسبوقة. هؤلاء يحذرون من أنه إذا لم يتوقف هذا الانزلاق المتسارع فورا فمصير دولة اسرائيل ومواطنيها إلى هاوية سحيقة. وإذا عدنا إلى "رمبام" فإننا سنجد أن عناصر الحادثة وطريقة صناعتها مماثلة لصناعة التحريض العرقي الذي كان يستمد تأثيره من الأجواء العنصرية العامة السائدة، وفي نفس الوقت كان يعيد انتاج تلك الأجواء. تكون البداية بالانقضاض على الفرد ويتمّ تأثيمه بجرم ما، وعلى الطريق يتم تقديم هوية المشتكى عليه وانتمائه العرقي على وظيفته المهنية التي كانت سبب الشكوى ضده. ويتم كذلك ضم مجموعته الصغرى الى الشكوى التي لم تعد ضد "طبيب أهمل في عمله" بل ضد عربي نكل بجندي لأسباب تستدعي التحقيق معه ومع رفاقه ومعاقبتهم؛ ومن هناك يصبح استهداف الشريحة كلها، التي هي في حالتنا جميع الأطباء العرب والعاملين في المهن التمريضية والصيدلة، سهلة؛ وتصبح المطالبة بإقصاء أعضائها أمرا طبيعيا وامكانية ملاحقتهم قانونيا متوفرة ومدعومة "بروح الشعب" ومبررة باسم "الفوقية اليهودية" وواجب الجميع حمايتها. هكذا طالبت قبل أيام البرلمانية السابقة عن حزب الليكود أسنات مارك، حين دعت إلى "تهويد" الجهاز الطبي كله، وطرحت حلا يقضي إلى تغيير "التوازن القومي/ الإتني" القائم داخل هذا الجهاز. التاريخ لا يعيد نفسه، لكنه، في حالتنا، يعيد انتاج منطقه ومحركاته؛ وهو يعلّم الضحية، إن هي أفاقت من حالة نَزاعها، ويعلّم أيضا من لم يفقدوا انسانيتهم؛ فالأنظمة الفاشية لا تحتاج الى ضحايا فقط كي تنتصر؛ بل تحتاج إلى إعادة تشكيل مؤسسات الدولة المختلفة لكي تقبل تلك المؤسسات بأن تصبح هوية الشخص السياسية أو العرقية هي المعيار لثقة أجهزة الدولة به ومعيار كفائته الأوحد. وعندما يتم للنظام ذلك، لا يعود إقصاء ذلك الفرد أو مجموعته أمرا باطلا، بل يصبح "إصلاحا" أو "حماية للديمقراطية" أو "تعزيزًا للحوكمة واستعادة لسيادة الدولة" أو "ضمانا لأمنها". كانت ردود فعل المجتمع العربي على حادثة مستشفى رمبام محبطة ودليلا آخر على حالة عجزه وعلى عقم مؤسساته وعلى خيانة قياداته لأمانة حماية أهلهم. من لم يقرأ الحدث بعيني التاريخ فهو أعمى، أو ليقرأه بعيني "صائد النازيين" الأشهر إيلي ڤيزل الذي قال: "خلال فترة القرن الماضي، الذي أطلق عليه اسم "الليل" ، كانت ممارسة الطب في بعض الأماكن تهدف لا إلى العلاج بل إلى الإيذاء، ولا إلى مقاومة الموت بل إلى خدمته". أسوق قوله هنا وأوجهه طبعا للأطباء اليهود الساكتين عما تقترفه حكوماتهم، أو المشاركين فيه؛ ولكن ليس لهم وحدهم.