
















اهلا قبل أن ننتخب... هل بقي وطنٌ ينتخب؟
بقلم : المهندس غسان جابر
القيادي في حركة المبادرة الوطنية الفلسطينية.
في الثامن والعشرين من تشرين الثاني 2026، قد تُفتح صناديق الاقتراع في غزة.
لكن، للمرة الأولى ربما، لن يكون السؤال: من سيفوز؟
بل سيكون السؤال الذي سيحاكم ضمير السياسة كلها:
هل بقي ما يُنتخب أصلًا؟
ليس هذا تهكمًا على الانتخابات.
فالانتخابات حق، والديمقراطية ليست ترفًا.
لكن ما يحدث هو أن السياسة تحاول أن تمارس طقوسها المعتادة، بينما الواقع يصرخ بأن الأولويات تبدلت.
سيختلف السياسيون حول القوائم.
وسيتنافس المرشحون على أصوات الناخبين.
وسينشغل المحللون بحساب نسب المشاركة.
لكن أحدًا قد لا يلتفت إلى المفارقة الأكثر قسوة:
المرشح يفكر في السنوات الأربع القادمة... والناخب يفكر في اليوم القادم.
أي انتخابات هذه التي يتحدث فيها المرشح عن إصلاح الاقتصاد، بينما المواطن يسأل عن رغيف خبز؟
أي برنامج انتخابي يعد بإصلاح التعليم، بينما السؤال الأول هو: أين المدرسة التي سيعود إليها الأطفال؟
أي خطاب عن تطوير النظام الصحي، بينما الناس يتساءلون أولًا عن القدرة على الوصول إلى العلاج؟
ليست المشكلة في البرامج...
بل في ترتيب الأولويات.
فالسياسة تتحدث بلغة المستقبل...
والناس تتحدث بلغة البقاء.
سيطبعون ملايين أوراق الاقتراع.
لكن هل يستطيع أحد أن يطبع ورقة واحدة تعيد إلى الإنسان شعوره بالأمان؟
ستُعلَّق صور المرشحين.
لكن من سيعلق صورة البيت الذي ينتظر صاحبه أن يعود إليه؟
ستُوزَّع البرامج الانتخابية.
لكن البرنامج الوحيد الذي يفهمه الجميع اليوم عنوانه:
كيف ننجو حتى الغد؟
هنا تتحول السخرية إلى حقيقة.
فقد يصبح أكثر الشعارات الانتخابية صدقًا هو:
"نعدكم بأن نعيد للحياة معناها... قبل أن نطلب منكم اختيار من يديرها."
هذه ليست دعوة إلى تعطيل الديمقراطية.
بل دعوة إلى حمايتها من أن تتحول إلى إجراء شكلي منفصل عن الإنسان الذي وُجدت من أجله.
الديمقراطية ليست صندوق اقتراع.
الديمقراطية أن يشعر المواطن أن صوته سيغير حياته، لا أن يشعر أن حياته كلها معلقة على أسئلة أكثر إلحاحًا من السياسة.
وهنا تكمن المفارقة التي ستدخل كتب التاريخ:
قد تُجرى الانتخابات في موعدها...
وقد تُعلن النتائج...
وقد يُقسم الفائزون على احترام إرادة الشعب...
لكن التاريخ لن يكتفي بتسجيل أسماء الفائزين.
سيسأل سؤالًا واحدًا:
هل كانت الانتخابات يومها تعبيرًا عن قدرة الناس على الاختيار، أم محاولة لإجراء استحقاق سياسي في واقع كانت الأولوية فيه، بالنسبة لكثيرين، هي استعادة مقومات الحياة نفسها؟
إن الشعوب لا تقاس بعدد صناديق الاقتراع التي نُصبت...
بل بعدد المواطنين الذين يذهبون إليها وهم يحملون مشروعًا للمستقبل، لا قلقًا على أبسط مقومات الحاضر.
ولذلك، إذا أراد أحد أن يكتب السطر الأخير من هذه المرحلة، فلا يكتبه بعدد المقاعد التي فازت بها القوائم، ولا بنسبة المشاركة، ولا بأسماء المنتصرين.
ليكتبه بجملة واحدة ستبقى أطول عمرًا من كل النتائج:
التاريخ لا يحاسب الأمم على أنها أجرت انتخابات فحسب... بل يحاسبها على السؤال الأهم: هل كانت قد هيأت للإنسان الظروف التي تجعل صوته اختيارًا حرًا، لا صدىً لمعركة البقاء؟
م. غسان جابر