















اهلا فائق وراد..
الفلاح الفلسطيني الذي ناضل من أجل الأردن وفلسطين
في الذكرى المئوية لميلاده
بقلم: محمد قبيلات
15 يوليو 2026
التقيته للمرة الأولى في أواسط ثمانينيات القرن الماضي، بعد عودته من رحلة علاجية في موسكو، كنت آنذاك طالبًا في المرحلة الثانوية، وكان هو قد عاد للتو من رحلته العلاجية إلى الاتحاد السوفياتي، وذلك بعد اجتماع المجلس المركزي لمنظمة التحرير الفلسطينية في تونس، بعد أن أصيب بجلطة دماغية تركت آثارها على جسده وأقعدته بشلل نصفي، لكن المرض لم ينتزع منه شيئًا ولا من صلابته أو هدوئه أو وضوح رؤيته، كان حضوره يشي بأن الإرادة يمكن أن تهزم ضعف الجسد، وأن الإنسان قد يخسر بعضًا من قوته البدنية، لكنه لا يخسر قناعاته.
ذلك اللقاء الأول وربما الأخير، والذي كنت فيه ضمن وفد من أربعة رفاق من ثانويات قرى ذيبان، تحول مع مرور السنوات، من خلال متابعة أخباره عن بعد، إلى معرفة أعمق، كشفت لي ولجيلي عن شخصية استثنائية جمعت بين التواضع والثبات، وبين البساطة والصلابة، وبين الانحياز للفقراء والإخلاص لقضية وطنه، كان فائق وراد واحدًا من أولئك القادة الذين لا يصنعون حول أنفسهم هالة، بل يتركون سيرتهم تتحدث عنهم.
في ذلك اللقاء، وعلى الرغم من وجود الكثير من الضيوف، الذين عادوه في بيته الذي يقع، على ما أعتقد، في شارع وصفي التل، إلّا أنه ترك الجميع وأولانا اهتماما خاصًا، وحدثنا مطولا عن إعتزازه بنا وبنشاطنا في منظمتنا الحزبية، وحدثنا أيضًا عن زيارته لموسكو للعلاج، وعن من عرفهم من الطلاب من منطقة مليح وذيبان في جامعة الصداقة، وفي نهاية اللقاء أصر على الرفاق أن يوصلونا إلى مجمع الجنوب بجانب دوار الشرق الأوسط، فتبرع الرفيق اسحق الخطيب أن يوصلنا بسيارته.
لعل أكثر من اختصر شخصيته كان الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات، الذي اعتاد أن يخاطبه بالوصف الذي كان يفضله: "أيها الفلاح الفلسطيني." وكما يروي فيصل الحوراني، لم يكن هذا الوصف مجاملة، بل تعبيرًا عن أصالة الرجل، ووفائه لجذوره، واعتزازه بانتمائه إلى الفلاحين الذين ظل يعتبرهم، مع العمال، القوة الحقيقية القادرة على صناعة المستقبل.
ولد فائق محمد وراد عام 1926 في قرية بيتين، قضاء رام الله، لأسرة فلاحية بسيطة، عاش طفولته في بيئة ريفية شكلت وجدانه، ودرس في مدرسة القرية حتى الصف الرابع، ثم واصل تعليمه في البيرة، قبل أن يتخرج في الكلية الرشيدية بالقدس عام 1944.
غير أن فلسطين في تلك السنوات كانت مدرسة أكبر من كل المدارس، فقد نشأ على وقع ثورة 1936، ثم عاش سنوات الانتداب البريطاني، وشهد بأم عينيه مقدمات النكبة، ولم يكن مستغربًا أن يقوده هذا الواقع إلى الانخراط مبكرًا في عصبة التحرر الوطني الفلسطينية، المنظمة الماركسية التي ضمت نخبة من المثقفين والعمال والفلاحين، قبل أن تصبح إحدى أهم القوى الوطنية اليسارية في فلسطين.
وخلال عمله معلمًا في مدينة الخليل، لم يكتف بالتدريس، بل انصرف إلى القراءة والتثقيف الذاتي، فكان يواظب على مطالعة صحيفة "الاتحاد" الأسبوعية ومجلة "الغد" اللتين كان يزوده بهما رفاقه في عصبة التحرر الوطني، ولم تكن تلك القراءات مجرد متابعة سياسية، بل كانت جزءًا من عملية بناء فكري رافقته طوال حياته.
بعد نكبة عام 1948، وجد آلاف الفلسطينيين أنفسهم في الضفة الشرقية من الأردن، وكانت تلك المرحلة بداية فصل جديد في حياته السياسية، فقد أسهم مع رفاقه في تأسيس الحزب الشيوعي الأردني، مقتنعًا بأن الدفاع عن الأردن، واستقلاله وتقدمه الديمقراطي، جزء لا يتجزأ من معركة الشعب الفلسطيني من أجل التحرر والعودة.
وفي الانتخابات البرلمانية عام 1956، فاز نائبًا عن دائرة عمان (رام الله)، ممثلاً للحزب الشيوعي الأردني، فيما فاز رفيقه الدكتور يعقوب زيادين عن دائرة القدس، وكان أصغر أعضاء مجلس النواب آنذاك، وشارك في دعم حكومة سليمان النابلسي، التي مثلت تجربة سياسية استثنائية في تاريخ الأردن الحديث.
لكن تلك التجربة لم تعمر طويلًا، فقد حُل البرلمان، وحُظرت الأحزاب، وبدأت حملة واسعة من الاعتقالات طالت قادة الحركة الوطنية، وكان فائق وراد في مقدمتهم، حكم عليه بالسجن ستة عشر عامًا مع الأشغال الشاقة، وأمضى سنوات طويلة في سجن الجفر الصحراوي، تعرض خلالها لشتى صنوف التعذيب، حتى كاد يفقد حياته في محاولة خنق لولا تدخل أحد الجنود في اللحظة الأخيرة.
ورغم السجن الطويل، لم يفقد إيمانه بقضيته، ولم يتعامل مع النضال باعتباره بطولة شخصية، بل واجبًا تجاه الناس الذين انتخبوه ومثلهم.
وتكشف إحدى الوقائع الواردة في مذكراته جانبًا مهمًا من شخصيته، فعندما أفرج عنه عام 1965، في حركة تبييض السجون وحرق ملفات المعارضين التي قادها الراحل وصفي التل، سلمته الحكومة مجموع الرواتب البرلمانية التي كانت قد استحقت له منذ اعتقاله عام 1957 وحتى صدور الحكم بحقه، وكان المبلغ كبيرًا بمقاييس ذلك الزمن، إلا أنه لم يحتفظ منه بشيء، ويكتب في مذكراته: "لأنني دخلت البرلمان باسم الحزب، سلمت المبلغ كله للحزب دون أن أستبقي لي قرشًا واحدًا." وهي حادثة تختصر جانبًا من أخلاق جيل كامل كان يرى في العمل العام رسالة لا وسيلة للثراء.
ومن المهم جدًا أن نراجع أعداد الجريدة الرسمية التي صدرت أثناء نيابته، فهي تحوي كمًا هائلًا من المداخلات التي كانت كل واحدة منها عبارة عن مرافعة تشريعية معتبرة ومتخصصة، وبطبيعة الحال كانت كذلك مداخلات الرفاق في تلك الدورة.
بعد حرب حزيران 1967، أبعدته سلطات الاحتلال الإسرائيلي إلى عمّان بسبب نشاطه الوطني في لجان الصمود والتوجيه الوطني، ليبدأ مرحلة جديدة من العمل السياسي، متنقلاً بين المسؤوليات الحزبية والوطنية الفلسطينية.
وفي عام 1976، انتخب أمينًا عامًا للحزب الشيوعي الأردني خلفًا للرفيق فؤاد نصار، كما انتخب عضوًا في المجلسين الوطني والمركزي لمنظمة التحرير الفلسطينية، وظل من الأصوات التي دعت إلى الربط بين النضال الوطني الفلسطيني والنضال الديمقراطي في الأردن، رافضًا الفصل بين القضيتين أو التعامل معهما بوصفهما مسارين متعارضين.
ومع أن فائق وراد شغل مواقع قيادية مهمة، إلّا أن من عرفوه يتذكرون فيه الإنسان قبل المسؤول، فقد كان هادئًا في حديثه، قليل الادعاء، يستمع أكثر مما يتكلم، ويبحث عن نقاط الاتفاق قبل نقاط الخلاف. تمسك بالمبادئ، لكنه لم يكن أسير الجمود، وكان يرى أن الاختلاف السياسي لا ينبغي أن يتحول إلى خصومة شخصية.
ولهذا جاءت مذكراته، «خمسون عامًا من النضال» الصادرة عام 2005، مختلفة عن كثير من السير الذاتية، فقد كتب فيها عن الحزب والرفاق والقضايا العامة أكثر مما كتب عن نفسه، وكأن حياته الشخصية لم تكن تستحق الذكر إلا بقدر ما ارتبطت بالعمل الوطني.
وفي حياته الخاصة، كانت زوجته الرفيقة رقية النجاب شريكة دربه في سنوات النضال والسجن والمرض، حتى رحل في الرابع والعشرين من تموز عام 2008، ودفن في مسقط رأسه، قرية بيتين، التي ظل يحملها في ذاكرته طوال عقود الغربة والنضال.
وعند رحيله، كتب الرفيق إسحق الخطيب كلمات مؤثرة قال فيها إن تاريخ فائق وراد هو جزء من تاريخ الحزب والحركة الوطنية، وإنه عاش حياته كلها منحازًا إلى العمال والفلاحين والمثقفين، مقدمًا جهده وفكره بلا انقطاع، من عصبة التحرر الوطني، إلى الحزب الشيوعي الأردني، ثم حزب الشعب الفلسطيني، مرورًا بالنضال البرلماني والعمل السري ومرارة السجون والتعذيب.
غير أن أكثر ما يلخص حياة أبي محمد ليس كلمات الآخرين، بل كلماته هو، ففي خاتمة مذكراته، وبعد أكثر من نصف قرن من النضال، كتب:
"بعد كل هذه السنين، وقد بلغت الآن سبعة وسبعين عامًا من العمر، لم أحقق لي ولشعبي ما أرغب فيه، لقد رغبت دائمًا في تحقيق الحرية والديمقراطية، لكن ذلك لم يتحقق حتى الآن، أقول هذا بكامل الأسى والأسف، مع ذلك، فلست أشعر باليأس أبدًا."
ربما تختصر هذه الكلمات حياة فائق وراد كلها، فقد أدرك أن المناضل لا يقاس بما حققه وحده، بل بما زرعه في وعي شعبه، وبما تركه من مثال أخلاقي للأجيال التي تأتي بعده، وفي زمن تتكاثر فيه الانقسامات ويختلط فيه العمل العام بالمصالح الشخصية، يبقى فائق وراد نموذجًا للمناضل الذي ظل وفيًا لفلاحي فلسطين، ولعمال الأردن، ولحلمه الدائم بوطن أكثر حرية وعدالة.