
















اهلا الكبسولة الحادية والتسعون
المبيّض والمجحّش
لروح الصديق الأديب الأريب محمّد نفّاع أبو هشام في الذكرى الخامسة لرحيله!
في كلّ مرّة يذكر بعضُ السياسيّين عندنا اسم سموطرتش وبن غفير أتذكّر اثنين: المبيّض، الذي كان يعمل في بيت عمّي محمّد الجاد أبو فتحي رحمه الله، والمجحّش (يعني تيس العيرة أو المحلّل).. كانت الحمائل الكبرى في القرى تصطرع فيما بينها في أحايين متباعدة. وكلّ حمولة عندها فِرقٌ من "جنود المشاة" للطِّوَش الكبيرة وفرق من الأشبال للطّوشات الصغيرة. وكانت من بينها فرقة أمنيّة نخبويّة خاصّة من المبيِّضين والمجحّشين الذين يسوّدون وجوههم كي يُبيّضوا وجه الحمولة ويُعينوها حتّى تستردّ سُمعتها وسمعة مشايخها بعد أن تمرّغت في التراب! حين كانت "الطوش" تتعقّد، وتضرّ بسمعة الحمولة ومكانة مشايخها، كانوا يبعثون اثنين ثلاثة من جنود هذه الفرقة الخاصّة ليُغِيروا في جوف الليل على الحمولة الثانية ويعيثوا في ممتلكاتها فسادًا وتخريبًا أو يطبّوا على واحد منها يُكسّروه تكسيرًا حتّى يُنهنهوه.. كان هؤلاء "الجنود" يعلمون أنّ مهمّتهم في هذه الغارة هي أن ينمسكوا هناك، بكلّ ثمن، مثلما وصّاهم مشايخهم بالضبط. وفي صباح اليوم التالي يسوقهم رجال الصلح مُكتّفين إلى ديوان حمولتهم. ساعتها يبدأ مشايخ الحمولة وكبارها بطقوس النخوة العربيّة ويطبلون على صدورهم: "هاي مش عاداتنا ولا أصولنا! هذول زعران هُمّل! والولد الهامل يجيب لأهله المسبّة. وإحنا مستقعدين للحقّ والمستحقّ!" على حدّ علمي، يا مشايخ، الولد الهامل لا يجيب لأهله المسبّة إلّا إذا كانوا أهمل منه!
ونتنياهو عنده فِرق كثيرة مثلها. على رأسهم سموطرتش وبن غفير ومن لفّ لفيفهما. المفارقة المرعبة هي أنّ بعض السياسيّين، عندنا نحن، هم مَن يُشغّلون هذه الفرق من المبيّضين والمجحّشين الذين يحيطون بنتنياهو نيابة عنه. أُنصتُ إلى هؤلاء السياسيّين وأتابع قاموسهم اللغويّ فأجدهم يركّزون في خطابهم على ذَيْنك المسخوطَين الممسوخَين ووصفهم ب"اليمين المتطرّف". هكذا يُنجّون نتنياهو، علمًا بأنّ مشكلتنا أكبر منه ومن الذين يشدّون على إبطه، يبرّئون ذمّته الوسيعة، يُبيّضون وجهه الأسود، يُغسّلونه بالماء والثلج والبرد، يُحلّلون نُسخته اليمينيّة ويجعلونها يمينًا عذبًا ناعمًا، ينقّط إنسانيّة، حلالًا زلالًا.. من حيث لا يدرون.
هذا خطاب خطير يتّجه إلى العَرَض دون المرض. اللغة عندي تفرق، تفرق كثيرًا، لأنّها تبني بالتراكم وعيًا! لا أعرف كيف ضاقت أحلامهم وانكمشت وشمرت إلى هذا الحدّ؟! عن هذا الانكماش قالت الأديبة المصريّة بنت الشاطئ مرّة: "البطل اليوم هو من يقطع الشارع في القاهرة دون أن تصدمه سيّارة ويبقى حيًّا!" أرأيتَ، يا أبو هشام، إلى أيّ حضيض انزلقت بطولاتنا في هذا الوقت الأغبر؟!