
















اهلا- بقلم ناضل حسنين في حضرة الأب الكبير
مشاهد من مدرسة الطاعة السياسية
وإمتحان الكرامة الوطنية
ثمة تشابه لافت بين المشهدين: مشهد الرئيس السوري أحمد الشرع في البيت الأبيض، ومشهد رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي وهو يجلس إلى جوار دونالد ترامب.
ففي الحالتين، لم يقتصر الأمر على البروتوكول السياسي المعتاد، بل تجاوز ذلك إلى حفلات استقبال ومديح شخصي مبالغ فيه، بدا معها الرجلان وكأنهما تلميذان هادئان وخجولان في حضرة الأب، لا رئيسي دولتين يفترض أنهما يمثلان شعبين دفعا أثماناً باهظة دفاعاً عن كرامتهما الوطنية.
ولعل أكثر اللحظات إثارة للانتباه في لقاء ترامب-الزيدي كانت حين استعاد دونالد ترامب، أمام رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي، روايته لعملية اغتيال قاسم سليماني وأبو مهدي المهندس مطلع عام 2020 قرب مطار بغداد، متباهياً بأنه هو شخصياً من أصدر الأمر بتنفيذ العملية، بعدما وصف الرجلين بأنهما «شريران» وأن قتلهما كان قراراً ضرورياً.
والمفارقة أن هذه الواقعة لا تمثل حدثاً عادياً في الذاكرة السياسية العراقية؛ فأبو مهدي المهندس لم يكن شخصية إيرانية أو إقليمية، بل كان قائداً عراقياً يشغل موقعاً رسمياً في هيئة الحشد الشعبي التي تُعد جزءاً من المنظومة الأمنية للدولة. كما أن اغتياله، إلى جانب سليماني، على الأراضي العراقية، أثار يومها عاصفة من الإدانات والاتهامات بانتهاك سيادة العراق، ودفَع القوى المنضوية اليوم في الإطار التنسيقي إلى رفع سقف خطابها ضد الولايات المتحدة والمطالبة بإخراج قواتها من البلاد.
لكن المشهد بدا مختلفاً هذه المرة؛ إذ مرت رواية ترامب، بما حملته من تباهٍ واتهامات، من دون أن تترك أثراً واضحاً على أجواء اللقاء، وحتى حين تعمد ترامب بسؤال الزيدي عن رأيه بما قاله عن اغتيال ”الشريرين“-كما وصفهما- ، اكتفى الزيدي بابتسامة غريبة والقول انه لم يكن مهتما بمتابعة السياسة في تلك السنوات، الأمر الذي يفتح الباب أمام تساؤلات مشروعة حول المسافة الشاسعة بين لغة الأمس ومقتضيات السياسة اليوم.
ليس المقصود هنا مطالبة المسؤولين بالخصومة الدائمة أو القطيعة مع الولايات المتحدة، فالعلاقات بين الدول تحكمها المصالح والتوازنات، لكن ثمة فارقاً كبيراً بين الدبلوماسية وبين ذلك الحرص المبالغ فيه على إظهار الطاعة والانسجام، على نحو يجرح إحساس المواطن العادي بكرامة بلده.
ويبقى السؤال الذي يفرض نفسه: هل وصلت الحال بقوى الإطار التنسيقي، التي أمضت سنوات طويلة في رفع شعارات التحدي والمواجهة ، إلى درجة من الخضوع للضغوط والإملاءات الأمريكية تجعلها تقبل بمرشح «كيوت» لرئاسة الحكومة، مهمته الأولى أن يبتسم في الوقت المناسب، ويضحك في اللحظة غير المناسبة، ويؤكد للرئيس الأمريكي أنه كان بعيداً عن السياسة حين وقعت الأحداث التي طالما شكلت ركناً أساسياً في خطاب تلك القوى؟
أين أصبح شعار ”هيهات مِنا الذلة“، أم أنه منذ البداية كان شعارا للمزايدة والاستعراض أمام الشعب المغلوب على أمره والأستقواء عليه ؟!