
















اهلا الكبسولة التاسعة والثمانون
إلى زكي درويش: المال السايب بعلّم السرقة
عزيزي أبو سليم،
هذه الكبسولة ليست عن السارق وإنّما عن المسروق منه. في كتابه "شروط النهضة" يُقعّد مالك بن نبي رؤيته النهضويّة على المستعمَر في مفهوم القابليّة للاستعمار (Colonizability). وهو أخو القابليّة للانسراق أو " الانسراقيّة". والانسراقيّة هي مصدر صناعيّ يعني أن يعمل المسروقُ منه كلّ ما يلزم حتّى ينسرق كما لو كان الانسراق صنعته! وهي بهذا التعريف تمدّ المثل الفلّاحيّ المعروف "المال السايب بعلّم السرقة" وتمطّه إلى أقصى حدّ يُطيقه المعنى!
قالت العرب قديمًا "يركب الحرامَ مَن لا حلال عنده". وهذا ناموس مُعتمَد عند الفلّاحين يُجيز "السرقة والانسراق" إذا كانا من القلّة والعَوَز والحاجة. والتجارب شواهد.. أقصى ما كان يسرقه صبيّ شقيّ قطف حصرم أو ضمّة حمّص أو فقّوسة.. ومن يُدنّي نفسه ويركض وراء صبيّ على هذا؟! وحين كان يُغافل الناطورَ ليقطع زقطة بطّيخ من مقثاة، كان الناطور يمسكه ويسامحه لأنّ الدنيا نار في آب اللهّاب وقد يكسب أجرًا في صبيّ تعبان عطشان. وحين كان المخضّر يضبط امرأة مستورة وهي تمرط في حرجها مقدار صاعين زيتون رصيص كان يسامحها لأنّ الزيتون الذي "تسرقه" ليس للتجارة وإنّما لتُطعم عيالها وأهل بيتها. والخير كثير والمال مالُ الله أصلًا. والشابّ الشارد في الوعر قد يُغافل الراعي ويسحب سخلًا من طرف الشلعة يذبحه ويشويه هو وأصحابه. وحين تتقدّم به السنّ وينوي الحجّ يذهب إلى صاحب الشلعة ليستسمحه، فيسامحه صاحب الشلعة لأنّه سينال أجرًا في المسامحة أيضًا.. وقُطّاع الطريق يسرقون عَمّالًا من حرّاث من دير القاسي كان مُروّحًا من الحراثة عند المغرب. وهذي حادثة سمعتها من الصديق المرحوم أبو هشام محمّد نفّاع رحمه الله. وحين علم قُطّاع الطريق أنّ العَمّال هو كلّ حيلة الحرّاث، من شغله يُطعم عياله خبزًا، رقّت قلوبهم فأعادوه في جوف الليل وربطوه قدّام البيت ثمّ انسحبوا دون أن يراهم أحد. حتّى قطّاع الطرق كان عندهم بعضٌ من ناموس يوقظون به إنسانيّتهم الغافية!
راح الفلّاحون الذين عملوا من الانسراق أخلاقًا وصدقاتٍ وحسنات، يا أبو سليم، وخَلَفَ من بعدهم خَلْفٌ أضاعوا المال والحلال وأتاحوه وأباحوه لحْميدان وانبطحوا. سيّبوا المال والحلال وبدّلوا الناطورَ تبديلًا بشرشوحٍ مُصِنٍّ نام عن الثعالب والغربان. يومها لم يبقَ أثر من خُصّ أو منطرة. سيّبوا المال والحلال ونزّلوا المخضّر عن الفرس وقشطوا رسنها وشردت. سيّبوا المال والحلال وسرّحوا الراعي وقشّطوه عصاه التي جدلها من عروق الزيتون. فاختفى الناطور والمخضّر والراعي ولم يبقَ في الميدان إلّا حْميدان. وحْميدان هذا، يا أبو سليم، منهم وفيهم لابس دشداشةً، يبصم بكعب رجله، حرامي ابن حرام يبيع أمّه التي خلّفته، وسرسريّ لا يعرف ربّه الذي خلقه فسوّاه فَعَدَلَه... وهم عنه ذاهلون مُبلسون ساكتون!