
















اهلا إيران عرفت من أين تؤكل الكتف
يرى المقال أن إيران عوّضت تفوق واشنطن العسكري باستخدام أوراق الجغرافيا والطاقة، خصوصًا مضيق هرمز، للضغط على الاقتصاد العالمي.إذ أجبر ارتفاع أسعار النفط وتعطّل الإمدادات الولايات المتحدة على التفاهم، وكشف حدود قدرة إسرائيل على فرض أولوياتها حين تتعارض مع المصالح الأميركية.
17.06.2026
منذ بداية الحرب العدوانية الأميركية–الإسرائيلية على إيران، كان التفوق العسكري الأميركي واضحًا. فالمعادلة، في هذا الجانب، واضحة: الولايات المتحدة تمتلك قوة نارية وتكنولوجية هائلة، وتتفوق عسكريًا على إيران بفارق كبير. ويقيني أن القيادة الإيرانية كانت تدرك ذلك جيدًا. ومع ذلك، لم تسلّم إيران بهذا الواقع، ولم ترفع الرايات البيضاء، ولم تذهب إلى الاستسلام أمام العدوان، بل استندت إلى مجموعة عوامل قوة راكمتها خلال عشرات السنوات.
في مقدمة هذه العوامل تأتي القدرة العسكرية، ولا سيما القوة الصاروخية التي أثبتت قدرتها على الوصول إلى إسرائيل، وعلى تغطية مساحات واسعة من الشرق الأوسط، خصوصًا المناطق التي تعج بالقواعد العسكرية الأميركية في الخليج وبالمحميات الأميركية في المنطقة. لكن السؤال الأساسي هو: هل تكفي القوة الصاروخية وحدها لصمود إيران أمام قوة عسكرية هائلة، تملك تفوقًا تكنولوجيًا وناريًا وتدميريًا بهذا الحجم؟ أم أن هناك عوامل قوة أخرى استطاعت طهران استحضارها في صراعها المصيري هذا؟
من بين هذه العوامل، استفادت إيران من جغرافيتها الواسعة، ومن ثروتها البشرية، ومن عمقها الحضاري والتاريخي، بما عزز قدرة الدولة والمجتمع على امتصاص الضربات واستيعابها. غير أن العامل الأهم، في تقديري، هو أن إيران قرأت الولايات المتحدة جيدًا، وخصوصًا نظامها الرأسمالي ووضعية الاقتصاد الأميركي وموقعه داخل الاقتصاد العالمي.
من هنا، ذهبت إيران مباشرة إلى الخاصرة الأضعف: الاقتصاد. لقد شخّصت بدقة من أين تؤكل كتف الرأسمالية، ولا سيما الرأسمالية الأميركية، حين فرضت حصارًا محكمًا على المنفذ الأساسي لتدفق مصادر الطاقة إلى السوق العالمية: مضيق هرمز.
صحيح أن الولايات المتحدة تملك اكتفاءً ذاتيًا من النفط ومصادر الطاقة، بل وأكثر من ذلك، إلا أن الاقتصاد الرأسمالي العالمي، وخصوصًا الأوروبي، لا يملك هذا الاكتفاء. على العكس، فهو يعتمد أساسًا على مصادر طاقة مستوردة. وبعد توقف تدفق الغاز الروسي الرخيص إلى أوروبا، بفعل الحرب الروسية–الأوكرانية وانحياز أوروبا إلى الجانب الأوكراني وفرض العقوبات على روسيا، ازدادت أهمية النفط والغاز العربيين، ليس فقط من حيث تأمين الكميات، بل أيضًا من حيث ضمان أسعار معقولة ومحتملة.
فإذا كان سعر برميل النفط قبل الحرب يتراوح بين 70 و72 دولارًا، فإنه في ذروة الصراع، في نيسان/أبريل 2026، وصل إلى نحو 120 دولارًا للبرميل، وذلك بفعل توقف نحو 20% من إمدادات النفط والغاز المسال عالميًا. هذه الأعباء الاقتصادية الهائلة لا يستطيع الاقتصاد الأميركي، ولا حلفاء الولايات المتحدة في المنظومة الرأسمالية، تحملها طويلًا، خصوصًا في ظل الصراع الاقتصادي المفتوح مع الصين. وكلما ضيّقت إيران حصارها على هرمز، ازداد صراخ ترامب والاقتصاد الأميركي.
لقد حاول ترامب استباق هذه العقبة وتجاوزها بطريقتين. الأولى، حين قام في الثالث من كانون الثاني/يناير 2026 باختطاف رئيس فنزويلا الشرعي نيكولاس مادورو، في عملية قرصنة سياسية ضد بلد غني بالنفط كان خارج السيطرة الأميركية المباشرة. وقد جاءت هذه العملية، في جوهرها، لتطويع فنزويلا وتركيعها والسيطرة على مقدراتها النفطية.
أما المحاولة الثانية، فتمثلت في فرض حصار بحري على الحصار الإيراني لمضيق هرمز، بحيث يمنع خروج كل قطرة نفط إيرانية. وهنا اصطدمت واشنطن بالصين، باعتبارها المستورد الأساسي، وربما شبه الوحيد، للنفط الإيراني. عند هذه النقطة بدأت مرحلة "عض الأصابع": من يتحمل أكثر؟ من يصمد أكثر؟
تزداد أهمية هذا السؤال لأن الحرب توقفت من دون أن تحقق أيًا من أهدافها المعلنة: لا إسقاط النظام الإيراني، ولا القضاء على المقدرات النووية الإيرانية، ولا تدمير القدرة الصاروخية الإيرانية. وهنا بدأت مرحلة أساسية في المواجهة، هي مرحلة قدرة التحمل؛ أو ما تسميه الشعوب "الإرادة الحرة والصمود"، أي الاستعداد لدفع الثمن دفاعًا عن الحرية والاستقلال والسيادة.
وقد أثبت الشعب الإيراني، في هذه المواجهة، أنه يملك إرادته الحرة، ويملك قدرة اتخاذ قراراته والدفاع عنها. وفي تصريح نشره موقع صحيفة “الاتحاد” يوم الثلاثاء 16 حزيران/يونيو 2026، قال وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي إن مذكرة التفاهم بين إيران والولايات المتحدة تشمل إنهاء الحرب على جميع الجبهات، وفتح مضيق هرمز، وفك الحصار البحري الأميركي، وإعادة الإعمار. وأضاف أن الجمهورية الإسلامية في إيران اعتبرت منذ اليوم الأول أن إنهاء الحرب في لبنان شرط أساسي لإنهاء الحرب مع إيران.
هذه المعطيات والتفاهمات أثارت حفيظة الحكومة الإسرائيلية ورئيسها، بل كشفت طبيعة العلاقة بين الإمبريالية الأميركية وأذرعها المختلفة. كما كشفت أنه، عند حدوث تناقض بين مصالح الإمبريالية ومصالح أذرعها، فإن على هذه الأذرع أن تنصاع لإرادة المركز الإمبريالي، خدمة لمصالحه الكونية العميقة والمتشعبة.
لكن لهذه العلاقة، في الحالة الإسرائيلية، وجهًا آخر. فهي تعكس التحولات العميقة التي تجري في الرأي العام الأميركي تجاه إسرائيل. فإذا كانت هذه التحولات قد اجتاحت الحزب الديمقراطي خلال السنوات الأخيرة، فهي اليوم تصل بخطوات متسارعة إلى الحزب الجمهوري نفسه، الذي يتزعمه ترامب، والذي صاغ مواقفه ومواقف حزبه تحت شعار "أميركا أولًا" وضرورة "إعادة أميركا عظيمة مرة أخرى". ومن أجل تحقيق هذا الهدف، فإن على كل أذرع الإمبريالية وخدامها أن ينصاعوا لإرادة السيد.
هذه التطورات هي التي تثير هلع الحكومة الإسرائيلية ورئيسها تحديدًا، لأن العقيدة السياسية التي مارسها نتنياهو وروّج لها وعمل على ترسيخها طوال سنوات طويلة، يراها اليوم تنهار أمام عينيه. فقد بنى نتنياهو مكانته على فكرة أن إسرائيل تستطيع جر الولايات المتحدة إلى أولوياتها الإقليمية، وأن التحالف الأميركي–الإسرائيلي ثابت وغير قابل للمراجعة. لكن ما جرى أظهر أن واشنطن، حين تتعرض مصالحها الاقتصادية والاستراتيجية الكبرى للخطر، تعيد ترتيب الأولويات، حتى لو كان ذلك على حساب رغبات حلفائها.
وليس صدفة أن يكون أول تصريح لترامب بعد التوصل إلى مذكرة التفاهمات هو أن "سفنًا محملة بالنفط تعبر مضيق هرمز الآن". لا شك أن هذا التصريح كان موجهًا إلى البورصات العالمية، وفي مقدمتها بورصة نيويورك، أكثر مما كان موجهًا إلى الرأي العام السياسي. فالرسالة كانت واضحة: النفط عاد إلى التدفق، والخطر على الاقتصاد العالمي بدأ ينحسر.
في المحصلة، لم تكن المعركة في النهاية عسكرية فقط. صحيح أن الصواريخ والطائرات والقواعد العسكرية لعبت دورها، لكن العامل الحاسم كان في الاقتصاد والجغرافيا والطاقة. لقد فهمت إيران أن مضيق هرمز ليس مجرد ممر بحري، بل شريان من شرايين النظام الرأسمالي العالمي. ومن خلال حسن استخدام هذا الموقع، استطاعت أن تفرض معادلة جديدة على واشنطن وحلفائها.
النفط، ومضيق هرمز، وحسن استخدام أوراق القوة، قررت مصير هذه الحرب، وستقرر على الأغلب شكل المنطقة لسنوات طويلة. وما حدث لن يبقى تفصيلًا عابرًا في سجل المواجهات، بل سيترك تداعيات استراتيجية كبرى على موقع إيران، وعلى علاقة الولايات المتحدة بحلفائها، وعلى مستقبل الدور الإسرائيلي في المنطقة.