
















اهلا-زياد حلبي نتنياهو ومعركة منع النهاية
انتهت الانتخابات، لكن المعركة على نتائجها بدأت. والمسألة الآن ليست كم مقعدًا حصل عليه بنيامين نتنياهو، وإنما هل يقبل أن تصبح خسارة أغلبيته خسارةً للسلطة؟ هنا تلتقي احتمالات الحرب على إيران مع التشكيك في الاقتراع وامكان الانقلاب عليه. لا دليل على خطة واحدة تجمع المسارين، لكن كليهما قد يخدم غاية واحدة: منع النتيجة الانتخابية من أن تأخذ مداها السياسي.
احتمال أن يستثمر نتنياهو مواجهة مع إيران لتعطيل انتقال الحكم يستحق أن يؤخذ بجديةتامة. فالحرب تعيد ترتيب الأولويات، وتضع خصومه أمام تهمة تعطيل الوحدة ساعة الخطر، وقد تجعل حكومة الطوارئ مخرجًا مما عجزت عنه صناديق الاقتراع. غير أن الرغبة في الحرب ليست القدرة على تقريرها. في عملية مشتركة بهذا الحجم، يبقى القرار الأميركي حاسمًا، والتخطيط العسكري لا يعني أن قرار التنفيذ اتُخذ.
ثم إن الاتفاق على ضرب إيران لا يعني الاتفاق على ما ينبغي أن تنتجه الضربة. وفق المعطيات المنشورة، يريد ترامب ضغطًا عسكريًا يدفع طهران إلى تنازلات، خصوصًا في الملف النووي الذي قد يستهدف للمرة الثالثة ، ويظل “جبل الفأس” ضمن الأهداف المحتملة. أما نتنياهو فيذهب إلى إسقاط النظام. والفارق بين الغايتين هو الفارق بين قصف منشأة وإعادة تشكيل دولة. تستطيع الطائرات تدمير أهداف، لكنها لا تحمل في مخازن قنابلها نظامًا سياسيًا بديلًا ، بدون التحرك على الارض ،كما بينت التجارب التاريخية من قبل في العراق وسواها .
وانتخابات التجديد النصفي الأميركية، المقررة غدا الثلثاء ، قد تضعف ترامب إن خسر حزبه، لكنها لا تسلبه تلقائيًا سلطة استخدام القوة. لذلك لا يصح بناء الحساب الإسرائيلي على صورة “البطة العرجاء” وحدها. الرئيس المحاصر داخليًا قد يصبح أشد حذرًا في الخارج، وقد يبحث فيه عن استعادة المبادرة. كلا الاحتمالين مفتوح.
لكن الخطر الأقرب ربما يوجد في معركةالداخل. فقد أكد رئيس لجنة الانتخابات سلامة الاقتراع، فيما أصر الليكود على أن “سحابة سوداء” تخيم على نتائجه. الاعتراض هنا يتجاوز حساب المقاعد إلى الثقة بالجهة التي تحصيها وتقرّها. وحين يُقنع جمهورٌ كبير بأن السلطة سُرقت منه، يصبح انتقالها، في نظره، اعتداءً يستوجب الرد، خاصة وان هناك نزعة ،وصلت حد الفاشية، واضحة تجتاح الشارع الاسرائيلي ولا تقتصر المشكلة ،على تطرف جزء من القيادة، كما يعتقد بعض الناس.
من هذه الزاوية يحضر السادس من يناير الأميركي. لا يعني ذلك أن اقتحام الكنيست قادم بالضرورة ، لكن المسار يستحق التأمل: نزع الشرعية عن النتيجة، ثم عن المؤسسات التي تحميها، إلى أن يجد الاتهام من يترجمه إلى فعل.
وقد تأتي لحظة الاختبار مع انعقاد الكنيست الجديد في العاشر من نوفمبر. فالاتصالات لتغيير رئيسه فورا ، والتحرك لاعادة انتخاب مراقب الدولة، تعني أن المعارضة تستطيع محاولة انتزاع أدوات مؤثرة قبل تشكيل الحكومة. وإذا امتد ذلك إلى تفكيك تشريعات المرحلة السابقة التي قادها نتنياهو لإخضاع القضاء والإعلام وحتى الأجهزة الامنية لسيطرته والولاء الشخصي له، اي الانقلاب على النظام القضائي والإعلام، وفتح طريق التحقيق في السابع من أكتوبر، فسوف يشعر نتنياهو بأنه مهدد بخسارة السيطرة على جدول الأعمال وعلى حدود المساءلة معًا.
وهنا تصبح الأصوات العربية ذريعة جاهزة لتصوير أغلبية برلمانية باعتبارها انقلابًا على الصهيونية والدولة. والمفارقة أن معارضةً ساهمت في نزع شرعية الشراكة العربية، طوال الوقت، قد تحتاج الآن إلى هذه الشراكة لحماية قدرتها على التغيير. من الصعب الدفاع عن حكم الأغلبية بعد استثناء جزء من المواطنين من حق تكوينها.
أما العنف فليس احتمالًا بلا سوابق، ولا ظاهرة محصورة في الضفة حيث اعتداءات المستوطنين المسلحين . اقتحام متطرفين قاعدتي سديه تيمان وبيت ليد عام ٢٠٢٤، بمشاركة شخصيات سياسية من الائتلاف الحكومي ، أظهر أن الحواجز بين التحريض ومهاجمة مؤسسات الدولة ،فعلياً ،قابلة للكسر. هذه السابقة لا فد تثبت وجود خطة لعنف جديد، لكنها تمنع الاطمئنان إلى استحالته.
لقد قالت الصناديق كلمتها. وما ستختبره إسرائيل الآن هو ما إذا كانت مؤسساتها تستطيع إلزام الحاكم بسماعها الذي اقنع مريديه على مدى عقود بانه اسرائيل. فأخطر ما يمكن أن يفعله نتنياهو أن يجعل نهايته السياسية تبدو لأنصاره هزيمةً للدولة نفسها. عندها تصبح الحرب في الخارج، والفوضى في الداخل، قابلتين للتسويق باعتبارهما إنقاذًا لها.