















اهلا - د.ناضل حسنين العنصرية الخفية أقوى من الديمقراطية الشكلية
دعونا نضع الأمور في نصابها، بلا تجميل ولا مواربة: ما قيمة ديمقراطية تقبل بأصوات المواطنين العرب داخل صناديق الاقتراع، ثم ترفض الاعتراف بحقهم في التأثير في إدارة البلاد؟ ولماذا تطالبهم بالمشاركة في الانتخابات، ثم تنكر عليهم حق المشاركة في الحكم؟
هذا ما تكشفه المواقف التي برزت خلال اليومين الماضيين، عقب النجاح الكبير للقائمتين العربيتين، المشتركة والموحدة. فقد شارك المواطنون العرب، وعززوا تمثيلهم البرلماني ليقترب من وزنهم السكاني. فعلوا ما تطلبه الديمقراطية من المواطنين: انتخبوا وأعلنوا إرادتهم. لكن ما إن ظهرت النتائج حتى ارتفعت أصوات الإقصاء لتقول لهم: شكرًا على أصواتكم، لكن الحكم ليس لكم!
أي ديمقراطية هذه التي تعترف بالمواطن العربي خلف ستارة الاقتراع، ثم تتعامل معه باعتباره أقل استحقاقًا حين يتعلق الأمر بالسلطة؟
ليس المطلوب أن يتحالف كل حزب مع كل حزب، ولا أن يتنازل أي طرف عن مواقفه السياسية. لكن حين يصبح الانتماء العربي سببًا بحد ذاته لرفض مشاركة ممثلي المواطنين العرب في إدارة البلاد، فإننا نتجاوز الخلافات الائتلافية إلى سؤال المساواة: هل المواطنون العرب شركاء كاملون في الدولة، أم أن حقوقهم تتوقف عند حدود يرسمها الآخرون؟
هذا الإقصاء لم يبدأ في السابع من أكتوبر. فقد سبقته سنوات من التحريض والتشكيك في المواطنين العرب، وتصويرهم كأنهم غرباء عن البلاد التي يعيشون فيها، وعليهم إثبات ولائهم باستمرار. ثم جاء السابع من أكتوبر وما تلاه ليزيد التوتر، ويوسع مساحة الخطاب العدائي، ويمنح بعض الأحزاب هامشًا أوسع لاستهداف العرب سياسيًا.
وهكذا تحول الإقصاء إلى أداة انتخابية: تكسب قوى سياسية الأصوات عبر إقناع جمهورها بأن العرب لا مكان لهم في إدارة الدولة، وكأن الخطر يكمن في مطالبتهم بالمشاركة، لا في حرمانهم منها.
وللتاريخ درس هنا. ففي خمسينيات القرن الماضي وستينياته، خاض الأميركيون السود معارك طويلة لانتزاع حقوقهم المدنية والسياسية، بعدما اكتشفوا أن الاعتراف النظري بالمساواة لا يكفي ما دامت الممارسات تنكرها. لا تتطابق التجربتان، لكن العبرة واحدة: المساواة التي لا تظهر في الحقوق والقدرة على التأثير ليست سوى شعار.
ولا يجوز أن ننتظر ممن يقصوننا أن يمنحونا حقوقنا طوعًا. علينا أن نكشف التناقض بين خطابهم الديمقراطي وممارساتهم، وأن نحول الاعتراض إلى تحرك منظم.
من هنا، أدعو القائمة المشتركة والقائمة الموحدة إلى إطلاق تحرك مشترك وفوري، يتجاوز خلافاتهما الانتخابية والحزبية. لا أطلب منهما الاندماج أو الاتفاق على كل شيء، بل توحيد الموقف حول قضية لا تحتمل المساومة: حق المواطنين العرب في المساواة الكاملة، ورفض إقصائهم عن إدارة البلاد.
وأقترح أن تصدرا وثيقة مشتركة توثق تصريحات القيادات الحزبية ومواقفها من مشاركة العرب في الحكم، بالأسماء والتواريخ والمصادر، وأن توجّهاها إلى السفارات الأجنبية ووزارات الخارجية والمؤسسات الحقوقية الدولية، وفي مقدمتها هيئات الأمم المتحدة المعنية بحقوق الإنسان.
المطلوب ليس بيانًا احتجاجيًا يلفت الانتباه يومًا ثم يُنسى، بل ملف موثق يُحدّث باستمرار، ويُترجم إلى لغات مختلفة، وترافقه حملة إعلامية تضع الإقصاء السياسي أمام الرأي العام العالمي. كما ينبغي بحث المسارات القانونية الممكنة مع خبراء القانون ومنظمات حقوق الإنسان، كي لا يبقى الاعتراض حبيس التصريحات، بل يتحول إلى جهد متواصل للمساءلة.
ورسالتنا يجب أن تكون واضحة: لا نطلب من العالم فرض حكومة على إسرائيل، ولا نطالب بامتيازات خاصة. نطالب باحترام حقوقنا السياسية والمدنية، وبألا تتحول هويتنا القومية إلى ذريعة لحرماننا من المشاركة في إدارة شؤون البلاد.
هذه ليست معركة بين العرب واليهود، بل مواجهة بين مبدأ المساواة ومنطق الإقصاء. ومن حق كل مواطن يهودي يؤمن بالديمقراطية أن يرفض هذا المنطق؛ فالتمييز الذي يستهدف فئة من المواطنين اليوم قد يمتد غدًا إلى فئات أخرى.
لكنني أخشى أن ينطفئ هذا الغضب بعد أيام، وأن تعود المشتركة والموحدة إلى خلافاتهما المعتادة، فيما تواصل قوى أخرى رسم حدود المشاركة السياسية وفق مصالحها. عندها سنكون قد أضعنا فرصة ثمينة، لا لأننا أخفقنا في الانتخابات، بل لأننا عجزنا عن تحويل نجاحنا إلى قوة تحمي حقوق من منحونا أصواتهم.
التمثيل البرلماني إنجاز مهم، لكنه لا يكفي إذا أصرت قوى سياسية على اعتبار مشاركة العرب في الحكم خطًا أحمر، مهما كانت نتائج الانتخابات. وهنا تقع المسؤولية على القائمتين: أن تنتقلا من الاحتفال بالمقاعد إلى الدفاع عن الحق الذي تمثّلان أصحابه.
لسنا ضيوفًا على هذه البلاد، ولا رعايا ينتظرون إذنًا للمشاركة. نحن مواطنون، ومن حقنا أن نؤثر في سياساتها، وأن نشارك في تحديد مستقبلها، وأن ننافس على السلطة وفق القواعد الديمقراطية نفسها التي يخضع لها سائر المواطنين.
لذلك، على المشتركة والموحدة أن تتحركا الآن، وأن تضعا خلافاتهما جانبًا في هذه القضية على الأقل. لسنا بحاجة إلى استجداء مقعد من حزب، أو انتظار موافقة سياسي يوزع حقوق المواطنة وفق حساباته الانتخابية. نحن ندافع عن حق أصيل لا يملك أحد منحه أو حجبه.
إذا كانت أصواتنا مقبولة في الانتخابات، فلا يجوز أن تصبح مرفوضة عند تشكيل الحكم. وإذا كان مطلوبًا منا المشاركة في تقرير مستقبل البلاد، فلا يحق لأحد أن ينكر علينا هذه المشاركة بعد ظهور النتائج.
لن نقبل أن نكون مواطنين حين يحتاجون إلى أصواتنا، ومواطنين من درجة ثانية حين نطالب بحقوقنا. ولن نكتفي بمواعظ عن الديمقراطية من سياسيين يقبلون بنتائج الانتخابات ما دامت لا تمنح العرب قوة حقيقية.
على القائمتين أن تحوّلا هذا الاستحقاق إلى موقف مشترك، وأن تضعا الإقصاء أمام العالم، وأن تواصلا التحرك حتى لا يصبح التمييز ممارسة عادية لا تستدعي الاعتراض.
فالحق لا يفقد شرعيته برفض أصحاب السلطة الاعتراف به، والمواطنة لا تنتقص لأن سياسيًا قرر أن يرسم لها حدودًا.
نحن هنا، وهذه البلاد وطننا أيضًا. لن نكتفي بحق التصويت إذا كانوا يريدون حرماننا من حق التأثير. لنا مكان في إدارة البلاد، لا منّةً من أحد، بل حقًا لمواطنين متساوين.