
















اهلا- د. ناضل حسنين احذروا ألغام الخبث بين رام الله والطيبة!
مخطئ من يختزل مطالبنا، نحن العرب في هذه البلاد، في حدود الحقوق المدنية وتعبيد الشوارع، ومخطئ أكثر من يظن أن انتزاع هذه الحقوق يمر عبر إدارة الظهر لقضيتنا الوطنية والتنكر لهويتنا الفلسطينية.
فنحن أصحاب حق أصيل، وجوهر أزمتنا يستند إلى حقيقة لا يمكن القفز فوقها: نحن جزء لا يتجزأ من الشعب الفلسطيني، ونعيش داخل دولة تخوض، منذ أكثر من سبعة عقود، صراعاً مفتوحاً مع شعبنا. وهذه ليست مسألة نظرية أو تفصيلاً سياسياً هامشياً، بل حقيقة تفرض نفسها على مختلف تفاصيل حياتنا اليومية.
إن الأزمة التي يواجهها مجتمعنا اليوم تتجاوز الصراع التقليدي حول الخدمات والميزانيات، لتلامس تحولاً بنيوياً بالغ الخطورة في وعينا الفردي والجمعي. فهم يدفعوننا، بصورة تدريجية ومدروسة، من فضاء الفكر القومي الجامع إلى حالة من "الأسرلة البطيئة" والمبطنة.
وتقوم هذه السياسة على حصر اهتمام المواطن العربي في شؤونه اليومية المباشرة، وإبعاده عن ملامسة الجذر الحقيقي لمعاناته والتمييز الواقع عليه، والمتمثل في أن السلطات الإسرائيلية لا تزال تنظر إلينا، في جوهرها، باعتبارنا طابوراً خامساً وعنصراً يقف على الجانب الآخر من خندق الصراع.
وفي هذا السياق، يتسلل الخطاب السياسي الإسرائيلي إلى شارعنا العربي عبر مقولة خبيثة ومضللة تقول: "لماذا يدافع نوابكم عن قضايا ابن رام الله، بينما تعاني شوارعكم من العتمة والإهمال؟". غير أن خبث هذه المقولة لا ينبع من حرص حقيقي على إنارة الحارة العربية، بل من كونها تطرح مقايضة صريحة: تخلوا عن ثوابتكم القومية، ولنفاوضكم على حقوق خدمية مجردة.
وهذه مغالطة جوهرية تفترض، زوراً، وجود تعارض بين الدفاع عن حقوق ابن رام الله والدفاع عن حقوق ابن الطيبة والناصرة وحيفا. والحقيقة أن المسارين ليسا متناقضين، بل يصدران عن مواجهة منظومة واحدة ترفض الاعتراف بحقوقنا كاملة، وتحاول تفتيت قضيتنا إلى مطالب منفصلة قابلة للمساومة.
إن انجرار قطاعات من مجتمعنا خلف هذا الطرح لا يخدم المواطن العربي، بل يخدم مباشرة نهج المؤسسة الرسمية التي تريد التعامل معنا كأفراد يطالبون بتحسين ظروفهم المعيشية، لا كأقلية قومية لها حقوق سياسية وتاريخية أصيلة.
والأخطر في هذا التحول أنه يدفع المواطن إلى تجاهل أصل التمييز العنصري الواقع عليه. فالتمييز ليس مجرد خلل إداري في توزيع الميزانيات، ولا نتيجة عابرة لسوء التخطيط، بل هو انعكاس مباشر للرؤية الأمنية التي تحكم علاقة الدولة بالمواطن العربي، وتبقيه رهينة دائمة للصراع، مهما بلغ مستوى اندماجه أو التزامه بالقوانين.
إن المطالبة بإنهاء الاحتلال والسعي إلى حل العقدة القومية ليست شأناً خارجياً، ولا ترفاً سياسياً يصرفنا عن أحيائنا وبلداتنا، بل هي المدخل الأساسي لتفكيك النظرة التي تحكم المؤسسة الرسمية وتتعامل معنا بوصفنا امتداداً للطرف الآخر في النزاع.
فعضو الكنيست ليس موظف خدمات، ولا رئيس بلدية يقتصر دوره على متابعة تعبيد الشوارع وإنارة الأحياء. كما أن المواطنة الحقة ليست صفقة تجارية يطالبون فيها الإنسان بالتخلي عن هويته مقابل الحصول على الميزانيات. المواطنة حق أصيل تفرضه الدولة، وتدفع ثمنه مشاركتنا الاقتصادية والمدنية، ولا يجوز تقديمه لنا باعتباره منّة أو مكافأة على الصمت السياسي.
ولم تتوقف خطورة هذه المقولة عند حدود الخطاب الرسمي، بل إن جوهر الأزمة يكمن في قدرتها على التسلل إلى عمق الوعي الجمعي في شارعنا العربي، حتى تحولت إلى لسان حال قطاعات واسعة تتلقفها وتعيد إنتاجها بصيغ مختلفة.
فمن الناس من يرددها تحت ضغط الحاجة إلى إنارة شارعه وتعبيد طريقه ومعالجة أزماته اليومية، ومنهم من يستخدمها لمحاكمة الأداء البرلماني للقوى والقيادات العربية برمته. وهكذا يتكرر بين الناس شعار مفاده: "عضو الكنيست فلان يهتم بحقوق ابن رام الله، ويتجاهل حقوق ابن الناصرة والطيبة". وهي مقولة مترجمة بالكامل عن "العبرية"، مهما حاول أصحابها تقديمها بوصفها تعبيراً أصيلاً عن أولويات مجتمعنا.
ومع اتساع دائرة المنادين بهذا الطرح، لم يعد الأمر مقتصراً على صعود نهج سياسي محدد، كالنهج الذي تمثله القائمة العربية الموحدة، بل امتد تأثيره ليطال مختلف القوى والنواب العرب، على اختلاف توجهاتهم ومشاربهم.
لقد وجد النائب العربي نفسه تحت ضغط اجتماعي وهجوم إعلامي كاسح، يدفعانه تدريجياً إلى سلوك أقرب إلى "الاعتذار المغلف" عن اهتماماته السياسية والقومية. وأصبح الجميع يسارع إلى إثبات جدارته الخدمية عبر استعراض الميزانيات التي جلبها، والمشاريع التي تابعها، والجلسات التي تناول خلالها قضايا الخدمات اليومية، في محاولة لتفنيد الاتهام الإسرائيلي الممنهج وإقناع الناخب بأنه يضع احتياجاته في صدارة أولوياته.
وهكذا تشكلت إحدى أهم الشرائح التي منحت الشرعية الاجتماعية والانتخابية للنهج "الخدماتي" الذي تتبناه الموحدة. وهذه الشريحة لم تولد من فراغ، بل هي نتاج استنزاف معيشي طويل، وهندسة وعي جعلت المواطن ينظر إلى الخدمة الأساسية وكأنها مكرمة لا ينالها إلا بالمهادنة والتنازل.
وقد نجحت هذه المعادلة في تجريد تمثيلنا السياسي من القدرة على فرض الحقوق القومية والمدنية معاً، باعتبارها حزمة واحدة غير قابلة للتجزئة، كما أرغمت السياسي العربي على التحرك داخل مربع الخدمة الذي رسمته المؤسسة الرسمية وحددت حدوده مسبقاً.
وهنا يفرض التحول نفسه علينا بالسؤال الحقيقي، وبكل قدر من الجرأة: هل قاد هذا التراجع، وهذا التبرير المستمر، إلى تحقيق المساواة الكاملة؟ أم أنه دفعنا إلى منطقة رمادية خسرنا فيها حزمنا القومي، من دون أن نحصل في المقابل على مواطنة كاملة وغير مشروطة؟
إن المطالبة بإنارة الشوارع، وتطوير المدارس، وحماية أمن المواطن، ليست مطالب هامشية ولا مِنناً تمنح لنا، بل حقوق أصيلة تفرضها المواطنة وتؤكدها الضرائب التي ندفعها ومشاركتنا في الحياة الاقتصادية والمدنية. ولا يجوز أن تتحول هذه الحقوق إلى أداة ابتزاز سياسي ترغم ممثلي الشعب على الاختيار بين كرامة ابن رام الله وحق ابن الناصرة.
فكلاهما يواجهان المنظومة ذاتها. منظومة تحوّل الحق البسيط إلى صفقة سياسية، وتطلب من صاحب الحق أن يتنازل عن هويته وكرامته كي يحصل على ما هو مستحق له أصلاً.