
















اهلا انخفاض الخصوبة في المجتمع الدّرزيّ في إسرائيل: مسألة الفجوة بين الخصوبة المرغوبة والخصوبة المتحقّقة
بقلم المحامي محمود شنّان
المدير العامّ لمركز التّراث الدّرزيّ في إسرائيل
عام 2024 انخفض معدّل الخصوبة الكلّيّ لدى النّساء الدّرزيّات في إسرائيل إلى 1.66 مولودًا للمرأة الواحدة، مسجّلًا بذلك أدنى مستوى ترصده السّلسلة الإحصائيّة الصّادرة عن دائرة الإحصاء المركزيّة بين عامَي 1949 و-2024. أنجبت النّساء الدّرزيّات في العام ذاته 1,993 مولودًا، شكّلوا نحو 1.1% من مُجمل المواليد في إسرائيل، في حين بلغت نسبة الدّروز نحو 1.5% من مجموع سكّان الدّولة. ويكشف تعاقُب المعطيات عن مسار متواصل؛ إذ بلغ معدّل الخصوبة 2.00 مولودًا للمرأة عام 2021، ثمّ انخفض إلى 1.85 عام 2022 وإلى 1.75 عام 2023. ويغدو عُمق التّحوّل أشدّ وضوحًا عند النّظر إليه في امتداده التّاريخيّ؛ فمنذ الذّروة المسجّلة عام 1964، حين بلغ المعدّل 7.92 مواليد للمرأة الواحدة، تقلّصت الخصوبة في المجتمع الدّرزيّ بنحو 79%، وأضحت اليوم دون مستوى الإحلال الدّيموغرافيّ المقدّر بنحو 2.1 مولودًا للمرأة.. وتصف هذه المعطيات بجلاء مدى الانخفاض، وتُبقي منابعه ودلالته الاجتماعيّة في حيّز السّؤال المفتوح. ومن ثمّ، يقتضي استجلاء هذا المسار فحص مدى تعبيره عن تفضيل أُسرة أصغر حجمًا، ومدى اتّصاله بتعثُّر في تحقيق الأُسرة المرغوبة.
تربط الأدبيّات الدّيموغرافيّة انخفاض الخصوبة بجملة من التّحوّلات الاجتماعيّة والاقتصاديّة الّتي شهد المجتمع الدّرزيّ نظائر لها خلال العقود الأخيرة. فاتّساع نطاق التّعليم العالي، وتعاظُم حضور النّساء في سوق العمل، علاوةً على تأخُّر سنّ الزّواج وتوقيت تأسيس الأُسرة، كلّها عوامل تقترن، عادةً، بالانتقال التّدريجيّ نحو أُسر أقلّ عددًا. وقد تجلّت هذه التّحوّلات في المجتمع الدّرزيّ أيضًا، ومن المرجّح أن تكون قد أسهمت في إعادة تشكيل أنماط الخصوبة السّائدة فيه. غير أنّ قدرتها التّفسيريّة تنصرف أساسًا إلى الظّروف الّتي تتكوّن في ظلّها الأُسرة، ولا تكشف بالضّرورة عن الحجم الّذي يرغب الأزواج في أن تبلغه. ومن شأن دمج هذين المستويين في قراءة واحدة أن يحوّل محصّلة ديموغرافيّة قابلة للقياس - هي عدد الأطفال المولودين - إلى استنتاج غير ممحّص بشأن تطلُّعات الأزواج وخياراتهم. ومن ثمّ، تقتضي الإحاطة بهذه الظّاهرة أن يُبحث، إلى جانب التّحوّلات الطّارئة على أنماط الحياة، ما إذا كان عدد الأطفال الّذي يتطلّع الشّباب الدّروز إلى إنجابه قد شهد تحوّلًا موازيًا.
تقوم في صميم هذا النّقاش التّفرقة بين الخصوبة المتحقّقة والخصوبة المرغوبة؛ فالخصوبة المتحقّقة ترصد عدد الأطفال الّذين وُلدوا فعلًا، فيما تعبّر الخصوبة المرغوبة عن حجم الأُسرة الّتي يطمح الأفراد إلى تكوينها متى تهيّأت لهم الظّروف المواتية. وقد تكون الأُسرة المؤلّفة من طفلين تجسيدًا كاملًا لما ارتآه الزّوجان، وقد تكون حصيلة مشروع أُسريّ كان يُراد له أن يكون أوسع، ثمّ تعذّر اكتماله بفعل تأخُّر الزّواج، أو صعوبة الحصول على مسكن، أو انعدام الاستقرار المهنيّ، أو غير ذلك من القيود. ويطوي المؤشّر الإحصائيّ تحت رقم واحد هذه الوقائع المتباينة، فيعرضها بوصفها محصّلة ديموغرافيّة واحدة. ومع وفرة المعطيات الّتي توثّق الخصوبة الفعليّة، إلّا أنّ البيانات المتوافرة حاليًّا لا تتيح تكوين صورة منهجيّة متكاملة عن عدد الأطفال المرغوب فيه داخل المجتمع الدّرزيّ. ومن ثمّ، يمثّل سدّ هذه الفجوة المعرفيّة شرطًا لازمًا لاستجلاء دلالة الانخفاض، وتحديد مدى تعبيره عن تحوُّل حقيقيّ في التّطلّعات الأُسريّة لدى الأزواج.
يتجلّى تفرُّد الحالة الدّرزيّة بوضوح أكبر في الدّراسة الّتي نشرها عالم الدّيموغرافيا، أون ڤينكلر، عام 2023. فقد بيّن ڤينكلر أنّ انخفاض الخصوبة إلى ما دون مستوى الإحلال وقع في نسيج اجتماعيّ لم تنضج فيه بعد، على نحو مكتمل، جملة من الشّروط المقترنة بما يُعرف بـِ-"التّحوّل الدّيموغرافيّ الثّاني". فلم تزل الأُسرة تتبوّأ منزلة محوريّة في الحياة الدّرزيّة، وتظلّ نسبة الأُسر الّتي لا تضمّ أطفالًا منخفضة نسبيًّا، فيما تتّسم معدّلات الطّلاق بالاعتدال، ويكاد الزّواج من خارج الطّائفة يكون معدومًا. كما تُفيد معطيات عام 2025 بأنّ نحو 76% من الأُسر الدّرزيّة كانت تتألّف من زوجين وأطفال. وهكذا، يتزامن رسوخ مكانة الأُسرة في المجتمع الدّرزيّ مع انحسار تدريجيّ في عدد الأطفال المولودين في كنفها. وهذا الاقتران هو ما يسبغ على نمط الخصوبة الدّرزيّ فرادته، ويضع في صميم النّقاش مسألة اجتماعيّة لم تزل عصيّة على التّفسير الكامل.
تكشف الفجوة الّتي اتّسعت بين التّوقّعات والمعطيات الرّاهنة عن الوتيرة المتسارعة لهذا التّحوّل، ذلك أنّه في عام 2019، قدّرت دائرة الإحصاء المركزيّة أنّ معدّل الخصوبة لدى النّساء الدّرزيّات سيبلغ نحو 2.4 مولودًا للمرأة خلال النّصف الأوّل من ثلاثينيّات هذا القرن. ورأى ڤينكلر أنّ هذا التّقدير ينطوي على قدر من المبالغة، مرجّحًا استقرار الخصوبة عند مستوى قريب من الإحلال الدّيموغرافيّ. غير أنّ المعطيات الّتي نُشرت في الأعوام اللّاحقة رسمت مسارًا أشدّ انحدارًا؛ إذ تراجع المعدّل من 2.00 مولودًا للمرأة عام 2021 إلى 1.66 عام 2024. ولم تزل التّحليلات السّابقة تمدّنا بمفاتيح هامّة لفهم الجذور التّاريخيّة لهذه السّيرورة، فيما تُشير سرعة الانخفاض إلى واقع ديموغرافيّ يُعيد تشكيل نفسه بوتيرة تتجاوز قدرة النّماذج القائمة على استيعابه.
إنّ التّوقّع الدّيموغرافيّ صورة للمستقبل تُبنى على شروط الحاضر؛ وحين تتحوّل هذه الشّروط، يغدو لزامًا على البحث العلميّ أن يعود إلى المعطيات، وأن يُعيد تفحُّص القوى الّتي تصوغ أنماط الخصوبة ومساراتها. وتكشف الفجوة بين التّوقّع والواقع أنّ الفرضيّات الّتي استند إليها باتت في حاجة إلى التّحديث.
يقدّم البعد الزّمنيّ مدخلًا إضافيًّا إلى فهم هذا المسار، فبين عامَي 1994-2024، ارتفع متوسّط سنّ المرأة الدّرزيّة عند ولادة طفلها الأوّل بمقدار 5.1 سنوات، ليبلغ 27.9 عامًا. وواكب ذلك ارتفاع ملحوظ في سنّ الزّواج الأوّل لدى النّساء الدّرزيّات، من 20.8 عامًا في عام 1994 إلى 26.1 عامًا في عام 2023. ويؤدّي تأخُّر نقطة الانطلاق إلى تضييق الحيّز الزّمنيّ المُتاح أمام الزّوجين لتوسيع أُسرتهما، وقد ينعكس تبعًا لذلك على عدد الأطفال الّذين يُنجبانهم خلاله. وفي هذا السّياق، ينبغي التّنبّه إلى أنّ معدّل الخصوبة الكلّيّ يرصد أنماط الإنجاب السّائدة في سنة معيّنة، ولا يطابق بالضّرورة عدد الأطفال الّذين ستنجبهم المرأة على امتداد حياتها الإنجابيّة. فقد يؤدّي إرجاء الولادات إلى خفض المعدّل المقاس، حتّى حين يتحقّق البعض منها في مرحلة لاحقة. ومن ثمّ، يقتضي تقدير عُمق الظّاهرة أن يُفحص، إلى جانب المؤشّر السّنويّ، كلٌّ من الخصوبة التّراكميّة لأفواج الميلاد وحجم الأُسرة المكتمل عند انقضاء سنوات الإنجاب.
ترسم الأرقام ملامح النّتيجة، وتدعو، في الآن ذاته، إلى تقصّي المنابع الّتي أفضت إليها؛ فقد ينطوي ارتفاع سنّ الزّواج على تفضيل لتأسيس الأُسرة في مرحلة عُمريّة متأخّرة، وقد يتشكّل، أيضًا، تحت وطأة السّنوات اللّازمة للتّحصيل الأكاديميّ، وبناء المسار المهنيّ، وتأمين المسكن الملائم. ومن هنا، يغدو تأخُّر الزّواج حلقة محوريّة في هذه السّيرورة، لا يستقيم فهمها من دون تبيُّن الظّروف الّتي تصوغها.
تبرز أزمة السّكن في البلدات الدّرزيّة في عداد الظّروف الّتي قد تُسهم في تأخير تأسيس الأُسرة. فقد خلص تقرير مشترك للوَزارات، أُعدّ عام 2024، إلى وجود نقص في الوَحدات السّكنيّة في معظم البلدات تقريبًا، وإلى تفاقُم الضّائقة على نحو خاصّ لدى الشّباب الّذين لا تمتلك أُسرهم أراضيَ معدّة للبناء. ويؤدّي تعدُّد الملكيّات الخاصّة، وتعقُّد إجراءات توحيد الأراضي وتسوية أوضاعها، وطول أمد المسارات التّخطيطيّة، إلى خلق مسافة شاسعة بين مخطّط يحظى بالمصادقة على الورق ومنزل يصبح صالحًا للسّكن بالفعل. وهكذا تطول الطّريق إلى تأمين المسكن، وقد يتأخّر معها، أيضًا، التّوقيت الّذي يشعر فيه الأزواج بأنّهم باتوا قادرين على الزّواج وتأسيس بيت مستقلّ. ولم تتّضح بعدُ الصّلة المحتملة بين أزمة السّكن وانخفاض الخصوبة في المجتمع الدّرزيّ بالقدر الّذي يُتيح تقدير وزنها واستجلاء آليّات تأثيرها. ومن هنا ينهض سؤال جدير بالفحص المنهجيّ: إلى أيّ مدى يتأثّر توقيت الزّواج بالسّنوات الّتي يتطلّبها تحويل الأرض إلى بيت؟
يكتسب انخفاض الخصوبة دلالة خاصّة في المجتمع الدّرزيّ بالنّظر إلى سِماته الدّيموغرافيّة. فالدّروز جماعة سكّانيّة صغيرة يقوم الانتماء إليها على الولادة، ولا تُتيح ديانتها الانضمام إليها من خارجها، كما يكاد الزّواج خارج حدود الطّائفة يكون معدومًا. ومن ثمّ، تمثّل الزّيادة الطّبيعيّة رافدًا أساسيًّا لاستمرارها العدديّ. وتتجاوز آثار التّحوّلات الدّيموغرافيّة نطاق عام واحد؛ إذ تتكشّف عبر تعاقُب الأجيال، وتتحدّد مآلاتها من خلال تراكُم معدّلات الخصوبة على امتداد الزّمن وبالاقتران مع التّركيب العُمريّ للسّكّان. وقد واصل عدد السّكّان الدّروز نموّه عام 2024 بمعدّل بلغ 1.0%؛ وشكّل الأطفال دون سنّ الخامسة عشرة 22.6% منهم، في حين بلغت نسبة من هُم في سنّ الخامسة والسّتّين فما فوق 8.0%. وإذا استقرّت الخصوبة دون مستوى الإحلال على المدى البعيد، فقد تُعيد تدريجيًّا تشكيل التّوازن بين الأجيال، فتتقلّص حصّة الفئات الشّابّة ويتّسع الوزن النّسبيّ للسّكّان المتقدّمين في السّنّ. وعلى هذا النّحو، تتجاوز دلالات الظّاهرة نطاق الأُسرة المفردة، لتلامس البنية الاجتماعيّة المستقبليّة للمجتمع الدّرزيّ برمّته.
ومن المعطيات وفجوات المعرفة الّتي عُرضت يتبلور موقف هذه المقالة: ينبغي للسّياسة العامّة أن تضع في صُلبها قدرة الشّباب على تحقيق تطلّعاتهم الأُسريّة. فإلقاء مسؤوليّة انخفاض الخصوبة على النّساء الدّرزيّات يقوم على افتراض لم يخضع للتّمحيص، مَفاده أنّ هذا الانخفاض وليد انحسار الرّغبة في الإنجاب، ويحمّل القرار الفرديّ عبء المستقبل الدّيموغرافيّ للمجتمع بأسره. ويشكّل التّعليم والعمل والاستقلال الاقتصاديّ مقوّمات راسخة في حصانة المجتمع الدّرزيّ وفي قدرة جيله الشّابّ على بناء حياة مستقرّة. كما تستدعي فاعليّة الحوافز الماليّة نظرًا متأنّيًا؛ إذ خلصت دراسة صادرة عن بنك إسرائيل، تناولت أثر التّغيّرات في مخصّصات الأطفال في مجموعات من السّكّان الدّروز والبدو، إلى نتائج لم تكن حاسمة. ويقترح تقرير صندوق الأُمم المتّحدة للسّكّان لعام 2025 مقاربةً تنظر إلى الخصوبة من زاوية قدرة الأفراد على تكوين الأُسرة الّتي يرغبون فيها. وتضع هذه المقاربة في بؤرة النّقاش العوائقَ الّتي تؤثّر في الخيارات الأُسريّة، إلى جانب المسؤوليّة العامّة عن تذليلها.
إنّ الحرص على مستقبل المجتمع الدّرزيّ يقتضي منّا الإصغاء إلى جيله الشّابّ، وفهم الواقع الّذي يسعى في كنفه إلى تأسيس بيته. وتتمثّل الخطوة الأولى المطلوبة في استكمال المعرفة النّاقصة من خلال إجراء مسح تمثيليّ يشمل النّساء والرّجال الدّروز في الأعمار الّتي تتكوّن فيها الأُسرة. وينبغي للمسح أن يستقصي عدد الأطفال الّذين يرغبون في إنجابهم، وعدد الأطفال الّذين أنجبوهم فعلًا، ونيّتهم إنجاب مزيد من الأطفال، والظّروف الّتي أسهمت في تأخير الزّواج أو العدول عن إنجاب طفل. ومن شأن تحليل النّتائج بحسب العمر، والبلدة، والتّحصيل العلميّ، والوضع المهنيّ، ومدى توافُر حلّ سكنيّ، أن يُتيح تقدير أثر التّحوّلات في التّطلّعات الأُسريّة والعوائق الّتي تحول دون تحقيقها. ويمكن لهذه القاعدة المعرفيّة أن تهدي صياغة سياسة تستجيب للاحتياجات الفعليّة للأزواج الشّابّة، وأن توجّه تطوير حلول تنبثق من واقع حياتهم. إنّ انخفاض الخصوبة موثّق على نحو وافٍ، وقد بات من الضّروريّ استجلاء دلالته الاجتماعيّة. فصون المستقبل الدّيموغرافيّ للمجتمع الدّرزيّ يبدأ بالإصغاء إلى تطلُّعات جيله الشّابّ، وبتهيئة الفضاء الّذي يمكّنه من تكوين الأُسرة الّتي يرتضيها لنفسه.