
















اهلا- د.ناضل حسنين الغيرة- السياسية عصية على الصمت..
ما ان أعلنت القائمة المشتركة استعدادها للتعامل مع حكومة قد تخلف حكومة نتنياهو، حتى سارعت أصوات في الموحدة إلى اتهامها بنسخ مسارها السياسي. لكن هذا الاتهام لا يصمد أمام الفحص الجدي. فهو يخلط عمدًا بين خيارين مختلفين: الدخول في الائتلاف الحكومي وتحمل مسؤولية قراراته، أو تقديم دعم برلماني مشروط من خارجه، مع الحفاظ على الاستقلال السياسي وحق الاعتراض.
قد لا تكون حفيظة الموحدة نابعة من مضمون إعلان المشتركة وحده، بل مما يمكن أن يكشفه هذا الإعلان من احتمال انتقال مركز الثقل السياسي من يد إلى أخرى. فقد بنت الموحدة جزءًا أساسيًا من صورتها على أنها "بيضة القبان": القوة التي لا يمكن تشكيل حكومة إسرائيلية من دون استرضائها، والجهة القادرة على ترجيح كفة حكومة على أخرى.
لكن إذا صحت الاستطلاعات التي تتحدث عن تراجع القوة النسبية للموحدة وأحزاب المعارضة وتعذر تشكيل حكومة بديلة، فإن الرهان على المشتركة ومقاعدها يدخل امتحانًا حقيقيًا. فالدور الذي سعت الموحدة إلى تقديمه باعتباره ميزة سياسية خاصة بها قد يصبح متاحًا أمام منافستها حصرياً. وهنا لا يعود الخلاف متعلقًا بصيغة التعاون مع الحكومة المقبلة فحسب، بل يتحول إلى صراع على النفوذ ومن يملك حق احتكار موقع القوة المرجّحة.
المسألة إذن ليست عدد المقاعد وحده، بل قدرة كل قائمة على تحويل مقاعدها إلى نفوذ فعلي عند تشكيل الحكومة. وقد يكون مصدر القلق الحقيقي أن تمارس المشتركة هذا الدور وفق رؤية مغايرة: من خارج الائتلاف، وبشروط تفاوضية محددة، ومن دون التزام مفتوح بسياسات الحكومة أو تحمل تلقائي لمسؤولية قراراتها، وهو ما يكون بمثابة درس للموحدة التي كانت تتستر خلف تأكيدات بالحصول على الميزانيات للمجتمع العربي مقابل مسح هوية المواطن العربي في البلاد بصورة شبهة كاملة.
وهذه هي المفارقة التي تكشف جوهر السجال: ما كانت الموحدة تعرضه بوصفه مصدر قوتها وميزة مسارها السياسي، قد يتحول إلى فرصة أمام المشتركة، لكن بأدوات وشروط مختلفة. لذلك فإن اتهام المشتركة بالتقليد يبدو، محاولة لحصر حق التأثير في طرف واحد، وكأن الحديث عن ترجيح كفة الحكومة يصبح مشروعًا حين يصدر عن الموحدة، وتقليدًا حين تطرحه المشتركة.
أين يكمن الفارق السياسي؟
الموحدة طرحت المشاركة الحكومية وسيلة لتحصيل الميزانيات، ومكافحة الجريمة والعنف، ووقف هدم البيوت، وتطوير البلدات العربية. وهذه مطالب حيوية لا يجوز التقليل من شأنها. لكن دخول الحكومة يعني أيضًا أن الحزب يصبح جزءًا من تركيبته السياسية، ويتحمل مسؤولية عن قراراتها، بما فيها القرارات التي قد تتعارض مع الحقوق القومية والمدنية ومصالح شعبنا.
أما المشتركة، وفق الطرح المعلن، فتتحدث عن المساهمة في إسقاط حكومة نتنياهو، ثم بحث تقديم شبكة أمان برلمانية لحكومة بديلة، على أن تكون هذه الشبكة مشروطة بخطة واضحة لمكافحة الجريمة، وميزانية محددة، وجدول زمني، وآليات رقابة، إلى جانب وقف هدم البيوت، وتوسيع الخرائط الهيكلية، وتوفير الأراضي للأزواج الشابة، والاعتراف بالقرى غير المعترف بها في النقب، وحماية الحقوق القومية والمدنية.
الفارق حاسم: المشاركة التزام داخل الحكومة، أما الدعم المشروط فهو نفوذ من خارجها. الأول قد يمنح أدوات تنفيذية، لكنه قد يفرض أثمانًا سياسية ثقيلة. والثاني يحافظ على مساحة أوسع للمساءلة والاعتراض، لكنه لا ينجح إلا إذا كانت شروطه مكتوبة وقابلة للتنفيذ ومحمية بآليات رقابة حقيقية.
لذلك، لا يجيب اتهام المشتركة بأنها تنسخ الموحدة عن السؤال الأساسي: إذا كان الطرفان يريدان التأثير في الحكومة المقبلة، فلماذا يكون هذا الدور حكرًا على طرف واحد؟ ولماذا يُعدّ اختلاف الأدوات تقليدًا بدل أن يعتبر خيارًا سياسيًا مستقلًا؟
فالاستطلاعات، إن أكدت نتائجها صناديق الاقتراع، لن تعيد توزيع المقاعد فقط، بل ستعيد توزيع الأدوار. وعندها لن يكون التحدي أمام المشتركة أن تثبت أنها ليست نسخة عن الموحدة، بل أن تثبت قدرتها على تحويل وزنها البرلماني إلى نفوذ ملموس، من دون التنازل عن استقلال قرارها أو تحويل دعمها لأي حكومة إلى شيك على بياض. وفي النهاية، لا تُحسم المعركة بالشعارات، بل بمن يملك النفوذ، وبأي شروط، وبأي ثمن.