
















اهلا الحَجَر في اللّغة العربيّة
د. إياس ناصر
للكلمات معانٍ ودلالات. وكلمة «الحَجَر» تشير إلى هذه المادّة الصُّلبة المعروفة، وتدلّ على القسوة والشّدّة والتّشدّد، كما تدلّ على أشياء أخرى يَضيق المقام عن استقصائها. وما أَكثَرَ الّذين يَحملون تحت صدورهم أحجارًا لا قلوبًا، فلا تأخذهم الرّأفة والرّحمة، وقد صوّرهم الأديب حنّا مينه في غير رواية من رواياته، كما صوّرهم مصطفى المنفلوطي في روائع مقالاته، ولنا نصوصٌ كثيرة سطّرها الأدباء النُّبغاء في الأدب العربيّ والأدب العالميّ.
وفي الشّعر العربيّ القديم شواهد كثيرة على الحجر دليلًا على القسوة وقلّة التّأثّر. قال المتنبّي يصف حاله ويَعجب كيف لم يؤثّر فيه الغناءُ والمُدامُ تأثيرًا ما، فهو كالصّخرة الصّمّاء. قال:
أَصَخْرَةٌ أَنَا مَا لِي لَا تُحَرِّكُنِي
هٰذِي ٱلْمُدَامُ وَلَا هٰذِي ٱلْأَغَارِيدُ!!
وقد يَضيق المرء أحيانًا بالأعباء الثّقال، ويَنُوبُهُ الأسى العميق عند الفقد والفراق، فيتمنّى أن يكون حجرًا لا يتأثّر بالحوادث الّتي تختلف عليه. قال النّمر بْنُ تَوْلَب، وهو شاعر قديم:
أَلَا يَا لَيْتَنِي حَجَرٌ بِوَادٍ
أَقَامَ وَلَيْتَ أُمِّي لَـمْ تَلِدْنِي!!
وقال شاعرٌ آخر قديم، وهو تَمِيمُ بْنُ أُبَيِّ بْنِ مُقْبِل:
مَا أَطْيَبَ ٱلْعَيْشَ لَوْ أَنَّ ٱلْفَتَى حَجَرٌ
تَنْبُو ٱلْحَوَادِثُ عَنْهُ وَهْوَ مَلْمُومُ!!
ولو أردتُ أن أَبسُطَ الحديث عن دلالة الحجر في ميادين مختلفة، لملأتُ الصّفحات الطّوال، ولكنّي أكتفي بهذا القدر، وأختم حديثي بأنّ العرب القدماء كانوا يضعون الأحجار في الصّحراء لتكون علامات يستدلّ بها المسافر على الطّريق، كتلك العلامات الّتي نراها في الطّرق (المسارات) الّتي نسلكها في البرّيّة، وهي تُسمّى في اللّغة القديمة «أعلام» الطّريق، وتُسمّى أيضًا «الصُّوَى»، وهي جمع «الصُّوّة».