
















اهلا مؤتمر الأربعمائة… وأزمة الستة عشر
بقلم: المهندس غسان جابر.
لا شيء يثير الدهشة في السياسة الفلسطينية هذه الأيام، إلا أن ترى مئات الشخصيات تجتمع في الدوحة تحت عنوان كبير: إصلاح منظمة التحرير الفلسطينية، وتجديد الحياة السياسية، واستعادة الوحدة الوطنية، وإعادة بناء النظام السياسي… ثم تعود إلى فلسطين لتكتشف أنها لا تستطيع الاتفاق على شيء أصغر بكثير: قائمة انتخابية!
في الدوحة اجتمعوا بالمئات لمناقشة مستقبل منظمة التحرير، أما في فلسطين فتبدو المشكلة أكثر تعقيداً: كيف يمكن الاتفاق على قائمة انتخابية تبدأ بـ16 مرشحاً ويمكن أن تصل إلى 132؟
ستة عشر اسماً فقط!
لكن يبدو أن الرقم 16 أصعب سياسياً من الرقم 400.
في المؤتمرات، كل شيء سهل: نتحدث عن الديمقراطية، وتجديد الشرعية، والشراكة، والوحدة الوطنية، وإصلاح النظام السياسي. الجميع يصفق للجميع، والجميع يؤكد أن المرحلة تحتاج إلى التغيير.
لكن عندما تصل الديمقراطية إلى ورقة الترشيح، تبدأ الديمقراطية نفسها في البحث عن مخرج!
فجأة تظهر الأسئلة الحقيقية: من الأول؟ ومن الثاني؟ ومن يدخل العشرة الأوائل؟ ومن يقبل أن يكون في منتصف القائمة؟ ومن يضمن موقعه؟ ومن يضمن مقعده؟ ومن يضمن أن اسمه لن يكون مجرد «حشوة» انتخابية؟
هنا فقط نكتشف أن المشكلة ليست في إصلاح منظمة التحرير، بل في إصلاح ترتيب الأسماء!
وهنا تصبح الصورة أكثر كوميدية من أي خطاب سياسي.
في الدوحة: نريد إصلاح منظمة التحرير.
وفي فلسطين: من يأخذ الرقم واحد؟
في الدوحة: نريد إنهاء الانقسام.
وفي فلسطين: من يقود القائمة؟
في الدوحة: نريد تجديد الشرعية.
وفي فلسطين: أين سيكون موقعي؟
في الدوحة: نريد ديمقراطية حقيقية.
وفي فلسطين: هل أضمن ترتيبي أولاً؟
وهكذا يتحول شعار «التغيير» من مشروع وطني إلى معركة على الكراسي، ويتحول الحديث عن البرنامج إلى ملحق، بينما يصبح ترتيب الأسماء هو المتن!
المفارقة ليست في أن يختلف الناس على قائمة انتخابية؛ فالاختلاف طبيعي في أي تجربة ديمقراطية. المفارقة أن الذين يطالبون بإعادة بناء النظام السياسي الفلسطيني كله، لا يستطيعون تقديم نموذج مصغر لهذا الإصلاح في قائمة من 16 اسماً.
الديمقراطية لا تُقاس بعدد الحاضرين في مؤتمر، ولا بعدد البيانات التي تصدر عنه، ولا بحجم القاعة التي احتضنته.
الديمقراطية تبدأ عندما يصبح البرنامج أهم من الاسم، والمشروع أهم من الموقع، والناخب أهم من المرشح، والقائمة أهم من الرقم الشخصي.
فإذا كنا نريد إصلاح منظمة التحرير، فلنبدأ من الاختبار الأسهل: إصلاح قائمة انتخابية.
إذا عجزنا عن الاتفاق على 16 اسماً، فكيف سنقنع الناس بأننا قادرون على الاتفاق على مستقبل شعب ومنظمة ونظام سياسي؟
المشكلة إذن ليست في نقص المؤتمرات، ولا في نقص القاعات، ولا في نقص الشعارات.
المشكلة أن البعض يريد تغيير النظام السياسي بشرط ألا يتغير موقعه داخله.
وهذه هي النكتة التي لا تحتاج إلى كاتب ساخر.
أربعمائة شخصية اجتمعت لإصلاح منظمة التحرير… وستة عشر اسماً كشفت أن إصلاح القائمة قد يكون أصعب من إصلاح المنظمة!
نقول:
من لا يستطيع أن يتنازل عن موقعه في قائمة انتخابية، لا يقنعنا بأنه ذاهب إلى الدوحة ليتنازل عن مصالحه من أجل الوطن.
إصلاح المنظمة يبدأ من صندوق الاقتراع… ومن يستطيع الاتفاق على 16 اسماً، ربما يستحق أن يتحدث عن إصلاح الـ132.
م. غسان جابر - الخليل