
















اهلا- د.سهيل دياب سنه على رحيل زميلي ورفيقي:
ابو عبدالله...قصة انسان صلب كالفولاذ، وناعم كالحرير!!
كان ذلك يوم 16.7.1979, عندما وصلت الى دار البلدية في مبنى السرايا التاريخي في مدينة الناصرة لابدأ اليوم الاول بعملي الجديد، مديرا لمكتب رئيس البلدية القائد والمعلم توفيق زياد، وذلك بعد غياب متقطع لمدينة الناصرة لانهاء اللقب الاول بتعليمي في الجامعة العبرية في القدس. استقبلني عندها الرفيق اديب ابو رحمون نائب الرئيس في غرفته التشاركية مع القائم باعمال رئيس البلدية المهندس رامز جرايسي. ولم تزد وقتها مساحة الغرفة عن عشرة امتار مربعة، يستقبلان بها جمهور المراجعين في شتى المجالات والخدمات. واوصلني الرفيق اديب ( ابو خالد) الى غرفة رئيس البلدية، حيث قام ابو الامين بتعريفي على زملائي الجدد في العمل البلدي لتسهيل نجاح عملي الجديد، وعندما وصل الى يوسف اسماعيل ( ابو عبدالله) قال لي ابو الامين: " اسمع يا رفيق، أنا كرئيس البلدية مسؤول عنك في العمل البلدي، وأنا وانت ، مسؤول علينا ابو عبدالله" !! وضحكنا جميعا،، ونظرت واذ بابي عبدلله خجولا مبتسما ، ومنذ ذلك الوقت فهمت ان ابو عبدالله ليس موظفا عاديا بمكتب رئيس البلدية.
تقاسمنا معا غرفة بمساحة تسعة امتار مربعة، لمدة ثلاث سنوات، وكنا نتقاسم كل مهمة، ونتشاور بكل موضوع، حيث تميز بشعبيته وجرأته وشآمته المعهودة، عرف جميع الناس والمراجعين، لم يخشى قول كلمته، ولم يخفي يوما رأيه. لم ينافق أحدا، ولم يعمل حساب لأي طرف.
وتعمقت علاقتنا اكثر واكثر.، وكنت قد استذكرت معه بايام عملي الاولى، كيف كنت عندما اصل الى مدرسة تيراسنطة في طفولتي، ان اصادف والدته أم يوسف، وكانت تقطن في بيت على شارع الدرج( اليوم اسفلت) المحاذي للمدرسة والموصل الى الشارع الرئيسي( اليوم بولس السادس) وكان يلفت نظري شجرة الحامض امام بيت ام يوسف، وكنت أحيانا ارغب بقطف واحدة، ولكني خشيت ردة فعل اصحاب البيت، واذا بإم يوسف تقف بساحة الدار قريبة من الدرج القادم من مدرسة تيراسنطة، وكأنها لاحظت رغبتي المبيتة بقطف ليمونة، واذ بها تحضر قفة حامض قطفتها للتو وقالت لي؛ "خد هاي الحامضة مش رايح تلاقي منها بالسوق كلو"! .. فرحت لذلك، ولكن ادركت مدى طيابة ام يوسف وانسانيتها، ولا عجب ، فقد اجادت تربية حبيبنا ورفيقنا ابنها ابو عبدالله!!
ودارت الايام وتعمقت الصداقة مع ابو عبدالله، كان يساعدني على فهم عميق لنبض الشارع، والفئات الشعبية في المدينة، كان رياضيا معروفا، وعلى علاقة وطيدة مع شرائح رياضية في المدينه وهي كثيرة، أحب العمل الاجتماعي، وكان يلعب دور " الدبق" الذي يربط بين الموظفين والعاملين والادلريين في بلدية الناصرة، ينظم القعدات الاجتماعية، والرحلات الترفيهية ويقوم بتحضير حاجيات اللقاء من الالف الى الياء، وكان الاكثر ارتباطا بالتحضيرات.. وخاصة لم يكن يغفل عن .. " سلطة الفلفل الحار.." ! حيث تحولت مثلا ملازما للحديث جلساتنا الكثيرة والمتكررة.
منذ ذلك الوقت، وحتى رحيله، رأيت بالرفيق يوسف، شخصية نصراوية شعبية ، انسانية وصادقة ، لكن بالاساس شجاعة ومبدئية، لا يخون صديق، ولا ينافق لصديق. لم نختلف ولو مرة واحدة طوال هذه السنين. نشأ ببيت شعبي مستور الحال اقتصاديا، بنى نفسه بنفسه، ونقل طيابة ام يوسف لابنائه وعائلته.
ما لفتني لاحقا، أن كان ابو عبدالله يحمل افكارا اجتماعية منفتحة وديمقراطية، ويطبقها على نفسه وداخل بيته قبل ان يعظ بها للآخرين، آمن بحرية المرأة وتطورها ورفع مكانتها في المجتمع، نبذ العائلية والطائقية من اعماق اعماقه، نجح في كل امتحانات الوطتية الحقيقية والمبدئية ومناصرة المظلومين.
أبو عبدلله، لم يحمل صفة مرتبطة بموقع او مركز رسمي، بل كان يسعى ان يكون خلف الكواليس، لقد كان جنديا مجهولا في كل الاحداث الكبيرة من تاريخ المدينة الناصع. ومؤثرا في صنع الانجازات الكبيرة، في مخيمات العمل التطوعي، والنضالات السياسية، ومواجهة سياسة التمييز والقمع. كان انسانا بكل معنى الكلمة.
ترسخت علاقتي بابي عبدالله بفترة انتخابي نائبا لرئيس البلدية، وخاصة في الفترة التي فقدنا بها معلمنا الكيير توفيق زياد عام ١٩٩٤.
فقدنا صديقا وأخا ورفيق درب، لكنه باق يعيش قينا بذكريات طيبة وتراث غني، عبرة وتبراسا للأجيال القادمة.
لرفيقة دربه الغالية ام عبدالله، وللابناء والاحفاد والاحباب حسن العزاء وطيب الذكريات.
) الصورة من العام ١٩٧٩ في مكتب رئيس البلدية في مبنى السرايا)