
















اهلا محاولة اقناع الاب سيمون خوري بدخول السياسة الحزبية هذا الحضور الميداني، بالإضافة إلى نشاطه الدؤوب في إصلاح ذات البين وتقريب القلوب، منحه كاريزما قيادية جعلت القوائم المتنافسة ترى فيه ورقة رابحة قادرة على تحفيز الشارع ورفع نسبة التصوي لو لم يكن كاهنا لما كنت تطرقت الى هذا الموضوع، ولكن احتراما لكهنوته وثوبه أرى لزاما ان أبدى رأيي. يجب على الأب سيمون خوري أن يحافظ على مسافة ثابتة من العمل الحزبي المباشر ودخول الكنيست، وأن يبقى مركزا على دور القيادة الدينية في النضال الشعبي، والخدمة الرعوية، والإصلاح الاجتماعي بمختلف المجتمعات العربية. خاصة وأننا تعرف كيف تدور الأمور في الكنيست تجاه الأعضاء العرب بقلة احترام لا لشخصهم ولا لمركزهم الاجتماعي او الديني ولا نريد لثوب الكهنوت ان يتلطخ بالوسخ الموجود لأنه حسب ما نشاهده في الساحة البرلمانية ان كان عليك ان تكون سياسيا او برلمانيا ناجحا يجب ان تجاري الواقع الموجود وهذا ما لا يمكن ان يتحلى به الاب سيمون. ونحن نعرف كيف يتعامل الشارع اليهودي مع رجال الدين لمجرد رؤيتهم بالشارع فكم بالحري في الكنيست من دون أي رادع. نحن لا نرضى لك او لغيرك من رجال الدين هذه الاهانات والأفضل تجنبها بعدم الدخول في المعترك السياسي. نحن نشاهد عدم الاحترام لبعضهم فكم بالحري لغيرهم. هذا المنع ليس مجرد تدبير إداري حديث، بل هو أصل تشريعي ضارب في القدم.
لم أكن يوما سياسيا ولم اكتب أبدا في مجال السياسية لا للكنيست ولا لغيرها. ولكن ما يحدث الان قبيل الانتخابات القريبة يلزمني كمسيحي ان أتطرق وأن أبدي رأي حول ما يدور على الساحة السياسية من محاولة اقناع الاب الأرشمندريت سيمون خوري من الترشح في مكان مضمون بإحدى القوائم العربية. اذ يشاع في الأيام الأخيرة عن ان المحاولات جادة وبحديث مع الاب سيمون أكد صحة الامر ولكن نفى أن يكون هنالك قرارا وانه يتشاور مع المسؤولين عنه. الهدف من هذه الإستراتيجية مزدوج:
• توسيع القاعدة الانتخابية واستقطاب شرائح جديدة من المصوتين لا تنتمي عقائدياً للأحزاب التقليدية.
• إضفاء صبغة التلاحم والوحدة: تقديم واجهة تمثل نسيج المجتمع بشتى أطيافه الدينية والاجتماعية
خطوة قد تكون سليمة من وجهة نظر الأحزاب العربية المتخبطة بين بعضها وشديدة الخطورة تجاه الكنيسة المسيحية.
تحولت الساحة السياسية للمجتمع العربي في الداخل، خصوصاً مع اقتراب المنعطفات الانتخابية للكنيست الإسرائيلي، إلى ميدان تبحث فيه الأحزاب والقوائم العربية عن عناصر جذب جماهيرية جديدة. وفي ظل أزمة الثقة المتصاعدة بين الشارع العربي والأطر السياسية التقليدية، اتجهت الأنظار مراراً نحو شخصيات اعتبارية مستقلة تحظى بإجماع شعبي ووطني. ومن أبرز هذه الشخصيات التي ترددت أسماؤها في كواليس المفاوضات السياسية، الأب الأرشمندريت سيمون خوري، كاهن رعية كفركنا من ضمن مساعي هذه القوائم العربية الكبرى، سواء القائمة المشتركة (التي تضم الجبهة والتجمع والعربية للتغيير) أو القائمة العربية الموحدة، إلى حجز مواقع محصنة ومضمونة لشخصيات مستقلة.
لم يكن التفكير في شخصية الأب سيمون خوري وليد الصدفة، فالرجل يمتلك رصيداً وطنياً واجتماعياً عابراً للطوائف والعائلات. عُرف بمواقفه الجريئة ضد سياسات التمييز واستفحال الجريمة، ووصلت حدة مواقفه إلى حد مطالبة لجنة المتابعة العليا باللجوء إلى خطوات تصعيدية كالعصيان المدني والامتناع عن دفع الضرائب احتجاجاً على تقاعس السلطات.
لا شك ان الامر مغر، ولكن رغم الإغراءات السياسية بضمان مقعد برلماني مؤثر، باعتقادي ان على الاب سيمون أن يتوخى الحذر والرفض العلني، من منطلق رؤية فلسفية واضحة ترى أن دور رجل الدين يجب أن يترفع عن المناكفات الحزبية والمحاصصات الانتخابية.
ولكي أدعم موقفي علميا تاريخيا أورد ما يلي ولا شك ان الاب سيمون يعرفها وكلك مستشاريه:
تُجمع التقاليد الكنسية، تاريخياً وتشريعياً، على ضرورة التفرغ التام للخدمة الروحية وحظر ممارسة الوظائف المدنية أو الحزبية على رجال الدين.
ففي المنظور التاريخي للمجامع المسكونية، أقر مجمع خلقيدونية (451 م) في قانونه السابع عقوبات صارمة تصل إلى الحرم الكنسي لكل رجل دين ينخرط في السلك العسكري أو يتولى مناصب مدنية عامة، انطلاقاً من مبدأ أن من تكرس لخدمة المذبح لا يجوز له الانشغال بالتدبير الدنيوي.
أما في العصر الحديث، فقد صاغت مجموعة الحق القانوني للكنيسة الكاثوليكية هذا المنع بشكل قاطع في المادتين 285 و287، حيث تحظر المادة 285/3 على الإكليروس قبول المناصب العامة التي تفرض المشاركة في ممارسة السلطة المدنية، بينما تمنع المادة 287/2 مشاركتهم النشطة في الأحزاب السياسية أو قيادة النقابات العمالية، إلا في حالات استثنائية يقرها الحبر الروماني لحماية حقوق الكنيسة، وهو أمر لا ينطبق على العمل البرلماني الحزبي داخل الكنيست الإسرائيلي.
من الناحية الفلسفية والسوسيولوجية، يحمل دخول رجل الدين إلى البرلمان تناقضاً بنيوياً في طبيعة الخطاب والممارسة. فالمنظومة الدينية تقوم على ركيزة المطلق واليقين الأخلاقي والروحي، في حين أن البرلمان، بطبيعته كأداة تشريعية سياسية، يقوم على النسبي والبراغماتية والمساومات السياسية والتنازلات المتبادلة.
إن إقحام رجل الدين في الكنيست يضطره إلى الانضواء تحت لواء كتل حزبية ذات حسابات مصلحية ضيقة، مما يجعله شريكاً في اتخاذ قرارات سياسية قد تتناقض مع المبادئ الإنجيلية السامية. هذا التحول ينقل رجل الدين من موقع المرجعية الأخلاقية الشاملة والجامعة لكل فئات الشعب، إلى لاعب حزبي يمثل فئة ضد أخرى، مما يترتب عليه اهتزاز صورته الروحية ومصداقية المؤسسة الكنسية التي يمثلها أمام رعيته وأمام المجتمع بأسره .
يؤدي تسييس المنصب الديني عبر المقعد البرلماني إلى تداعيات مجتمعية خطيرة، لعل أبرزها تفكيك وحدة الرعية. فالكنيسة بطبيعتها ملاذ روحي جامع ومحايد يضم أفراداً تختلف توجهاتهم السياسية والحزبية. حين يتبنى راعي الكنيسة موقفاً حزبياً برلمانياً علنياً، فإنه يحول الفضاء الكنسي المقدس إلى ساحة للاستقطاب والخلاف السياسي، مما يبث روح الانقسام داخل الرعية الواحدة.
من جهة أخرى، يساهم تصدّر رجال الدين للمشهد البرلماني في إضعاف النخب المدنية والعلمانية الشابة داخل المجتمع المسيحي. إن التمثيل السياسي في الكنيست يجب أن يظل مساحة للمواطنين العلمانيين المتخصصين في القانون، السياسة، والاقتصاد، والذين يمتلكون القدرة على المناورة والمواجهة السياسية بدون تحميل الدين أو الكنيسة أوزار وتبعات العمل الحزبي وتقلباته.
أن ابتعاد رجال الدين المسيحيين عن معترك الكنيست الإسرائيلي هو ضرورة لاهوتية، وقانونية، ومجتمعية. إن صون كرامة الكنيسة وحفظ رسالتها الروحية السامية يتطلبان بقاء الإكليروس في فلك الرعاية والإرشاد، بعيداً عن أروقة الصراع الحزبي. وبذلك، يظل رجل الدين حكماً أخلاقياً وأباً روحياً للجميع، تاركاً شؤون التدبير السياسي اليومي للنخب المدنية القادرة على قيادة المجتمع بكفاءة ومسؤولية علمانية وديمقراطية.
مازن نحاس
ترشيحا 31/8/2027