
















اهلا -صورة مرفقة للكاتب حلّوا الأحزاب العربية في الكنيست وفي المقابل، تحوّل وجودها إلى واحدة من أهم الأدوات التي يستخدمها اليمين الإسرائيلي، ولا سيما اليمين المتشدد، لحشد ناخبيه واستقطاب المزيد من الأصوات، عبر التخويف من الخطر العربي والتحذير من أن الأحزاب العربية قد تساعد اليسار أو الوسط ويمين الوسط على منع اليمين من تشكيل الحكومة المقبلة. فهذه الأحزاب لم تعد قادرة على انتزاع الميزانيات والموارد اللازمة للمجتمع العربي، كما لم تنجح في تقديم حلول حقيقية لأبرز الأزمات التي تعصف به، وفي مقدمتها العنف والجريمة، فضلًا عن مشكلات السكن والتعليم والبنى التحتية وغيرها من القضايا المتراكمة.
بقلم: مجدي الخليلي- كاتب مقدسي
ربما حان الوقت لطرح السؤال الذي يتجنب كثيرون طرحه: ما الجدوى الحقيقية من استمرار
الأحزاب العربية في الكنيست الإسرائيلي؟
فالأحزاب العربية، على اختلاف توجهاتها وشعاراتها، لم تعد تمتلك تأثيرًا سياسيًا حقيقيًا في الكنيست، ولا تأثيرًا ملموسًا في المجتمع الإسرائيلي.
وهكذا، بدل أن تكون الأحزاب العربية أداة قوة للمجتمع العربي، أصبحت، من حيث أرادت أو لم ترد، ورقة انتخابية يستفيد منها خصومها أكثر مما يستفيد منها ناخبوها. والأمر لا يتوقف عند حدود التأثير السياسي.
والأسوأ من ذلك أن تصريحات وشعارات بعض أعضاء الكنيست العرب تحولت إلى مادة
جاهزة للتحريض على المجتمع العربي بأكمله، بحيث يدفع المواطن العربي ثمن مواقف لم
يشارك في صياغتها، وربما لا يتفق معها أصلًا.
من هنا، ومع اقتراب انتخابات الكنيست، قد يكون الخيار الأكثر جرأة هو أن تعلن الأحزاب
العربية حلّ نفسها، وأن تترك للناخب العربي حرية التصويت للحزب اليهودي الذي يراه مناسبًا من بين الأحزاب الأخرى، من دون وصاية سياسية أو توجيه حزبي.
فغياب الأحزاب العربية سيجرّد اليمين المتشدد من إحدى أهم الشماعات التي يستخدمها
لتخويف الناخب اليهودي. وفي المقابل، ستضطر أحزاب اليسار والوسط ويمين الوسط إلى
التوجه مباشرة إلى المواطن العربي، ومخاطبة قضاياه واحتياجاته، والتنافس فعليًا على صوته بدل التعامل معه باعتباره صوتًا مضمونًا لأحزاب عربية معزولة عن دائرة التأثير.
وإذا انتقلت كتلة معتبرة من الأصوات العربية إلى أحزاب الوسط واليسار ويمين الوسط، فقد
تتمكن هذه الأحزاب، في تقديري، من كسب خمسة مقاعد إضافية على الأقل، وربما أكثر، على حساب اليمين المتشدد. وعندها قد تتغير معادلة تشكيل الحكومة، وتزداد فرص قيام حكومة أكثر عقلانية واعتدالًا، وربما أكثر استعدادًا للتعامل بإنصاف مع قضايا المجتمع العربي.
كما أن حل الأحزاب العربية سيضع الأحزاب اليهودية الإسرائيلية أمام مسؤولياتها مباشرة.
فلن يعود ممكنًا استخدام الأحزاب العربية ذريعة لتبرير الفشل أو التحريض أو التهرب من
مسؤولية معالجة أوضاع المواطنين العرب. وسيصبح المجتمع العربي جزءًا من المنافسة
الانتخابية المباشرة، وعلى كل حزب يريد صوته أن يقدم له برنامجًا واضحًا والتزامات حقيقية.
وفي هذه المرحلة الحرجة، ربما يكون من الأفضل أيضًا أن تتحمل الأحزاب اليهودية
الإسرائيلية مسؤولية تقرير مستقبل الدولة وتوجهاتها من دون زج المجتمع العربي في
صراعات المعسكرات اليهودية، ثم تحميله لاحقًا مسؤولية نتائج تلك الصراعات.
إن حل الأحزاب العربية لنفسها قد يبدو، للوهلة الأولى، انسحابًا من الساحة السياسية، لكنه قد يتحول في الواقع إلى خطوة سياسية شديدة التأثير. فقد يكون أكبر ضربة يستطيع الناخب العربي توجيهها إلى اليمين المتشدد، لأنه يحرمه من "العدو الانتخابي" الذي يستخدمه لحشد مؤيديه.
وقد يكون، في الوقت نفسه، أكبر هدية للقوى العقلانية والمعتدلة في المجتمع اليهودي، وأيضًا للمجتمع العربي نفسه، إذا نجح في تحويل صوته من كتلة محصورة داخل أحزاب محدودة التأثير إلى قوة انتخابية حرة تتنافس عليها مختلف الأحزاب.
ربما آن الأوان لتغيير قواعد اللعبة. فحين يصبح وجود الأحزاب العربية أكثر فائدة لخصومها منه لناخبيها، يصبح السؤال عن جدوى استمرارها ليس مشروعًا فحسب، بل ضروريًا أيضا، بل وحتى يصبح حلها واجبا.