
















اهلا مفترق بين الانضباط والانفلات
وفقا لتحليلات مختلفة، فإن الطرفين لن يستفيدا من حرب شاملة وطويلة، والتصعيد الحالي يسعى إلى "تحسين" مكانة كل طرف في التفاوض. لكن لا شيء يضمن ألاّ تتحوّل المواجهة المحسوبة والدقيقة الأهداف والعناوين إلى حرب مفتوحة، خصوصًا بوجود قوى معنيّة بذلك، وتحرّض عليها في العلن وفي السر
المواجهة الحالية المتجددة ضمن العدوان الأمريكي-الإسرائيلي المتواصل على إيران، لا تتوقف عند الخلافات المتعلقة بالبرنامج النووي الإيراني والعقوبات وأمن الملاحة في مضيق هرمز، بل تمتدّ لملفّات أكبر وأعقد استراتيجية الطابع، في مركزها التنافس الأوسع على النفوذ الإقليمي ومسارات الطاقة الاستراتيجية. وهذا ما يجعل "أطراف الحرب" أكثر من المتواجهين مباشرة بالسلاح. لأن التداعيات الاقتصادية تتجاوز الطرفين.
هذه المواجهة كشفت ما سبق أن تم تقييمه بخصوص هشاشة مذكرة التفاهم التي وقعها الجانبان الأمريكي والإيراني بجهود وسطاء أولهم باكستان، التي استقبلت رغم التصعيد، قبل أيام، مسؤولاً إيرانيًا كبيرًا هو وزير الداخلية لبحث اقتراحات من قبل بعض الوسطاء تهدف إلى "خفض التوتر القائم". بدورها، أطلقت الإدارة الأمريكية رسائل سياسية على لسان وزير خارجيتها مفادها أن الولايات المتحدة لا تزال مستعدة للتفاوض من أجل إنهاء الأزمة، لكنه اتهم طهران "بعدم التعامل بجدية" مع المحادثات.
هذه المواقف مصدرها، وفقا لتحليلات مختلفة، أن الطرفين لن يستفيدا من حرب شاملة وطويلة، والتصعيد الحالي يسعى إلى "تحسين" مكانة كل طرف في التفاوض. لكن لا شيء يضمن ألاّ تتحوّل المواجهة المحسوبة والدقيقة الأهداف والعناوين إلى حرب مفتوحة، خصوصًا بوجود قوى معنيّة بذلك، وتحرّض عليها في العلن وفي السر. أولها طبعًا هي حكومة اليمين الإسرائيلية، التي يستفيد رئيسها من التوجه لانتخابات تحت نيران الحرب، وقد يستغلها لإحراق ورقة الانتخابات القادمة ذاتها وركلها بعيدًا بذرائع أمنية معهودة وباتت ممجوجة. وهو ليس وحده طبعا، فهناك مؤسسة عسكرية وأمنية كاملة لا تتقن سوى مفردات القوّة.
كذلك، هناك قوى جدية في رأس الهرم الأمريكي تدفع باتجاه تعميق الحرب، كأداة وكذلك كسياسة، غايتها فرض الهيمنة المباشرة بالشكل الإمبريالي الأكثر فجاجة. ومقابلها تقف قوى لا تُصنّف ضمن أي تعريف مناهض للحروب، لكنها تحسب مخاطرها على مصالحها السلطوية.
هنا يأتي السؤال عن مصلحة ودور القوى الإقليمية، دول هذه المنطقة، التي تبيّن لها بالتجربة الملموسة أن الحماية الأمريكية وكل قواعد وحشود واشنطن العسكرية ليس أنها لا تضمن لها الأمن فقط، بل على العكس تمامًا، تورّطها في كوارث تطال استقرارها واقتصادها ومكانتها، في وقت لا تجتهد واشنطن حتى للظهور كمن تكترث بها، خلافًا لاحتضانها المطلق لسياسات الاحتلال والعدوان والحرب والتوسع الإسرائيلية الرسمية.