















اهلا- بقلم رائد برهوم - معالج بيداغوغي- وزارة التربية الاسرائيلية كشفت معطيات جمعية "بطيرم" أن المجتمع العربي فقد خلال النصف الأول من عام 2024 سبعة أطفال بسبب الغرق، من أصل إحدى عشرة حالة وفاة سُجلت في البلاد. هذا الرقم ليس مجرد إحصائية، بل جرس إنذار يدعونا جميعاً إلى وقفة صادقة. فعندما يشكل الأطفال العرب غالبية ضحايا الغرق، رغم أن نسبتهم السكانية أقل من ذلك، فلا بد من طرح الأسئلة الصعبة والبحث عن إجابات حقيقية. هل نحن أمام فشل تربوي؟ ربما لا يمكن تحميل المدرسة وحدها المسؤولية، لكن من الصعب إنكار وجود خلل تربوي ومجتمعي في بناء ثقافة الوقاية والسلامة. فالتربية لا تعني تعليم القراءة والرياضيات فقط، بل تعني أيضاً تعليم الطفل كيف يحافظ على حياته، وكيف يتصرف أمام المخاطر، وأن يدرك أن الماء، مهما بدا ممتعاً، قد يتحول إلى خطر قاتل خلال ثوانٍ. لقد أثبتت التجارب أن التوعية الموسمية، التي تسبق فصل الصيف فقط، لا تكفي. المطلوب أن تصبح ثقافة الوقاية جزءاً من الحياة اليومية، تبدأ في البيت، وتستمر في الحضانة والمدرسة، وتتعزز في النوادي والمراكز الجماهيرية والسلطات المحلية ووسائل الإعلام ودور العبادة. فحين تتكرر الحوادث عاماً بعد عام، فإن المشكلة ليست في نقص المعلومات، بل في عدم تحويلها إلى سلوك دائم. لماذا ما زلنا نكرر الأخطاء نفسها؟ لأن كثيراً من الأهالي يعتقدون أن وجودهم بالقرب من الأطفال يكفي لحمايتهم، بينما تؤكد الدراسات أن الغرق يحدث بصمت وخلال أقل من دقيقة أحياناً، ودون صراخ أو استغاثة. ولأن بعض الشباب يستهينون بخطورة السباحة في أماكن غير مخصصة أو عند وجود أمواج أو تيارات بحرية. كما أن البعض يترك الأطفال يسبحون دون رقابة مباشرة، أو يعتمد على الأخ الأكبر أو على وسائل الطفو كأنها بديل عن إشراف الكبار، وهي ليست كذلك. ولا تقتصر حوادث الغرق على البحر أو المسابح العامة، فهناك غرق الأطفال في المسابح المنزلية، وفي برك المياه الزراعية، وحتى في أحواض الاستحمام أو الدلاء الكبيرة داخل المنزل.
ما الذي يجب أن نفعله؟ أولاً، إدراج موضوع السلامة والوقاية من الغرق ضمن البرامج التعليمية في المدارس بشكل منتظم، وليس كمحاضرة عابرة. ثانياً، إطلاق حملات توعية تقودها البلديات والمجالس المحلية والجمعيات الأهلية طوال العام، مع التركيز على الأهالي قبل الأطفال. ثالثاً، توسيع برامج تعليم السباحة للأطفال، لأن تعلم السباحة مهارة حياتية وليست رفاهية. ورابعاً، تشديد الرقابة على المسابح المنزلية وإلزام أصحابها بوسائل الأمان المناسبة، إلى جانب تكثيف التوعية بمخاطر السباحة في الشواطئ غير المعلنة أو في الأماكن غير الخاضعة للرقابة.
ومن المهم أيضاً أن يتعلم كل أب وأم أساسيات الإسعافات الأولية والإنعاش القلبي الرئوي، فالدقائق الأولى قد تصنع الفارق بين الحياة والموت.
إن حماية أطفالنا لا تبدأ بعد وقوع الحادث، بل قبله. وكل حادث غرق يمكن منعه هو مسؤولية مشتركة بين الأسرة والمدرسة والسلطة المحلية والمؤسسات التربوية والإعلام والمجتمع بأسره. في النهاية، لا نريد أن تتحول أرقام الضحايا إلى خبر يتكرر كل صيف ثم يُنسى. نريد أن تتحول إلى نقطة تحول حقيقية، نبني من خلالها ثقافة جديدة عنوانها: الوقاية أولاً، لأن حياة طفل واحد لا تُقدّر بثمن.