
















اهلا-ناضل حسنين بين ضحالة المعرفة والتعصب الحركي..
تغزو فضاءنا العام مؤخراً ظاهرة لافتة ومقلقة، تتمثل في التعنت الواضح والمباشر لنشطاء ينتمون إلى تشكيلات سياسية فاعلة، إذ يبدو هؤلاء غير مستعدين بتاتاً للقبول بوجود وجهة نظر أخرى، أو حتى مجرد الاستماع إلى رأي يخالف ما استقر في أذهانهم، أو يشير إلى خطأ ارتكبه التشكيل السياسي الذي يناصرونه ويتخندقون خلفه.
يتسم هؤلاء بـ "غشاوة متعمدة" عند خوض أي نقاش سياسي. فمن ناحية، تنكشف فوراً ضحالة معلوماتهم وقلة زادهم المعرفي بالوقائع، ومن ناحية أخرى، يصدمك مدى صلابة مواقفهم واستماتتهم في الدفاع عنها رغم قيامها على أسس وهمية وهشة. هذه الحالة بحد ذاتها ليست مجرد عناد شخصي، بل هي مؤشر صارخ على غياب الفكر السياسي الحقيقي، وسيطرة كاملة للتعصب الحركي على حساب الوعي.
إن من طابع المطلع سياسياً أن يكون منفتحاً على أي نقاش، ليس لأنه يحب الجدال، وإنما لأنه لا يخشى الحوار. فهو يستند إلى قاعدة بيانات صلبة مبنية على الاطلاع الواسع، وحين يحاور، لا يتخبط بين معلومات تكاد تكون أقرب إلى الشائعات والخطابات الشعبوية منها إلى الوقائع الملموسة.
ولهذا السبب تحديداً، نجد هؤلاء يهربون فوراً من حلبة النقاش العقلاني إلى ترديد عبارات اعتادوا تكرارها، مهما أوضحت لهم عدم صدقها وتنافيها الصارخ مع حقيقة ما جرى. إنهم لا يسمعون، ولا يكلفون أنفسهم مشقة الاستيعاب أو هضم المعلومة الجديدة المطروحة أمامهم.
الأزمة تكمن في أنهم يريدون صياغة الحقيقة بمقاس استلطافهم لهذا الشخص أو ذاك، وليس بناءً على قناعة بما يقوله. ولعل الرابط بين الناشط والقيادي السياسي لا يتعلق بالضرورة بالخط الفكري، بل هو رابط يقوم على الاستلطاف أو قواسم مشتركة بعيدة كل البعد عن السياسة. هذا الرابط يعمل كالمغناطيس الذي يستقطب الجميع، ليقرأ عليهم القائد بياناته، بينما تردد في نهايتها جوقة "وهو كذلك".. وقد تأخذ الحماسة البعض منهم ليطلق "التكبير".